مفارقة التدمير كاستراتيجية: عندما يصبح التهديد نفسه جريمة
ثمة حساب أخلاقي غريب يجري حين يهدد رئيس دولة علناً بقصف أمة “والعودة بها للعصر الحجري.” العبارة ذاتها — المستعارة من اقتراح الجنرال كيرتس لوماي السيئ السمعة بشأن فيتنام، تلك الحرب التي انتهت بهزيمة أمريكية — تحمل ثقل الفشل التاريخي. لكن أبعد من السخرية التاريخية، فإن تهديد الرئيس ترامب في أبريل 2026 بتدمير جسور إيران ومحطات الكهرباء ومحطات معالجة المياه والبنية التحتية المدنية بشكل منهجي يطرح أسئلة تتجاوز النزاع الراهن وتمس أسس القانون الإنساني الدولي.
هل يستطيع رئيس أن يأمر بالتدمير المتعمد للبنية التحتية التي تُبقي المدنيين على قيد الحياة؟ ماذا يقول القانون الدولي فعلاً؟ ما العواقب الاستراتيجية لحملة كهذه؟ وماذا يحدث حين تهدد أقوى قوة عسكرية في العالم صراحةً باستهداف الأنظمة التي تُبقي أمة من 88 مليون نسمة حية؟
هذه ليست أسئلة نظرية. إنها عاجلة وواقعية وعواقبها تُقاس بأرواح بشرية. يقدم هذا التحليل كلا الجانبين — المبرر الاستراتيجي الأمريكي والمنظورات القانونية والإنسانية والإيرانية — لأن فهم جميع الأبعاد هو السبيل الوحيد للتحليل الصادق.
ماذا قال ترامب بالضبط: التهديدات المحددة
التصريحات
في سلسلة من التصريحات خلال الأسبوع الماضي — عبر مؤتمرات صحفية ومنشورات على وسائل التواصل الاجتماعي وتعليقات مُسربة لمستشارين — صعّد الرئيس ترامب خطابه حول الحملة على إيران إلى مستويات أثارت قلق علماء القانون والحكومات الحليفة والمنظمات الإنسانية حول العالم.
تشمل التصريحات الرئيسية:
- “إن لم تأتِ إيران إلى طاولة المفاوضات، سنقصف كل جسر وكل محطة كهرباء وكل قطعة بنية تحتية لديهم. سنعيدهم للعصر الحجري. فعلناها من قبل وسنفعلها مجدداً.” (مؤتمر صحفي، 1 أبريل 2026)
- “جسورهم؟ انتهت. كهربائهم؟ انتهت. معالجة مياههم؟ انتهت. هكذا تُنهي حرباً — تجعل من المستحيل عليهم العمل كدولة.” (منشور على وسائل التواصل الاجتماعي، 2 أبريل 2026)
- تفيد تقارير من مسؤولين كبار أن الرئيس وجّه المخططين العسكريين لإعداد حزم أهداف لتدمير منهجي للبنية التحتية المدنية الإيرانية، بما يشمل مكونات شبكة الكهرباء وأنظمة تنقية المياه وجسور الطرق السريعة وأبراج الاتصالات والبنية التحتية للسكك الحديدية.
هذه التصريحات مهمة ليس كخطاب سياسي فحسب بل لأنها تصدر من القائد الأعلى للقوات المسلحة التي تنفذ حالياً عمليات ضد إيران. تصريحات الرئيس حول الاستهداف تحمل دلالات عملياتية — تُشير بالنية للمخططين العسكريين وتُشكّل قواعد الاشتباك.
الصدى التاريخي
خطاب ترامب عن “العصر الحجري” يُردد عمداً أو عن غير قصد عدة سوابق تاريخية، لا شيء منها مشجع:
الجنرال كيرتس لوماي عن فيتنام: التعليق الأصلي جاء من لوماي الذي دعا لقصف غير مقيد لفيتنام الشمالية. نفذت أمريكا في النهاية حملات قصف هائلة فشلت في تحقيق أهدافها الاستراتيجية.
العراق 1991: خلال حرب الخليج، استهدفت قوات التحالف البنية التحتية الكهربائية العراقية ومنظومات المياه والجسور. وصف تقييم أممي ما بعد الحرب بأنه أعاد العراق إلى “عصر ما قبل الصناعة.” الأزمة الإنسانية الناتجة ساهمت في وفاة ما يقدر بأكثر من 100,000 مدني عراقي — وفق ما رصدته رويترز — في السنوات التالية للحرب، أساساً من أمراض منقولة بالمياه ونقص الرعاية الطبية.
صربيا 1999: استهدفت قوات الناتو شبكة الكهرباء والبنية التحتية الصربية خلال حملة كوسوفو، مما أغرق ملايين المدنيين في الظلام وخلق معاناة إنسانية استمرت أشهراً بعد انتهاء النزاع.
في كل حالة، أنتج استهداف البنية التحتية المدنية كارثة إنسانية دون تحقيق النصر الاستراتيجي النظيف الذي وعد به المخططون.
الإطار القانوني: ماذا يقول القانون الدولي فعلاً
المبادئ الأساسية
القانون الإنساني الدولي (IHL)، المعروف أيضاً بقوانين النزاع المسلح، يُرسي قواعد واضحة حول ما يمكن وما لا يمكن استهدافه أثناء العمليات العسكرية. هذه القواعد ليست اقتراحات أو إرشادات طموحة — إنها التزامات قانونية ملزمة تنطبق على جميع الأطراف في نزاع مسلح، بما فيها الولايات المتحدة.
المبادئ الأربعة الأساسية في القانون الإنساني الدولي ذات الصلة باستهداف البنية التحتية:
1. التمييز: يُلزم مبدأ التمييز أطراف النزاع بالتفريق في جميع الأوقات بين الأعيان المدنية والأهداف العسكرية. لا يجوز توجيه الهجمات إلا ضد أهداف عسكرية. الأعيان المدنية — التي تشمل البنية التحتية المستخدمة أساساً من المدنيين — محمية من الهجوم المباشر. (البروتوكول الإضافي الأول، المادتان 48 و52)
2. التناسب: حتى عند مهاجمة هدف عسكري مشروع، يجب ألا يكون الضرر المدني المتوقع مفرطاً بالنسبة للميزة العسكرية الملموسة والمباشرة المتوقعة. (البروتوكول الإضافي الأول، المادة 51(5)(ب))
3. الاحتياط: يجب على الأطراف اتخاذ جميع الاحتياطات الممكنة لتقليل الضرر المدني عند شن الهجمات. (البروتوكول الإضافي الأول، المادة 57)
4. حماية الأعيان التي لا غنى عنها لبقاء السكان المدنيين: المادة 54 من البروتوكول الإضافي الأول تحظر تحديداً الهجمات على “الأعيان التي لا غنى عنها لبقاء السكان المدنيين”، بما يشمل المواد الغذائية ومناطق الزراعة ومنشآت مياه الشرب. وبينما لا تذكر المادة 54 صراحة محطات الكهرباء والجسور، فإن تدميرها يؤثر مباشرة على تنقية المياه وتخزين الطعام والرعاية الطبية والتدفئة/التبريد.
مشكلة الاستخدام المزدوج
أعقد سؤال قانوني يتعلق بالبنية التحتية “مزدوجة الاستخدام” — المنشآت التي تخدم أغراضاً عسكرية ومدنية معاً. الجسر يحمل مركبات عسكرية وحركة مرور مدنية. محطة الكهرباء تزوّد منشآت عسكرية ومستشفيات. شبكة الاتصالات تنقل اتصالات عسكرية ومكالمات طوارئ مدنية.
بموجب القانون الإنساني الدولي، يمكن أن تكون الأعيان مزدوجة الاستخدام أهدافاً عسكرية مشروعة إذا قدمت “مساهمة فعالة في العمل العسكري” وكان تدميرها يقدم “ميزة عسكرية محددة.” لكن حتى عندما تُصنف كهدف عسكري، يظل مبدأ التناسب سارياً.
تصريحات ترامب تشير إلى حملة تدمير منهجية للبنية التحتية تتجاوز بكثير استهداف منشآت مزدوجة الاستخدام محددة لميزة عسكرية محددة. الهدف المعلن — جعل “من المستحيل عليهم العمل كدولة” — يستهدف صراحة البعد المدني للبنية التحتية، وهو بالتحديد ما يحظره القانون الدولي.
إجماع الخبراء
أكثر من 100 خبير في القانون الدولي — بينهم أساتذة في هارفارد وييل وأكسفورد والسوربون؛ وقضاة سابقون في المحكمة الجنائية الدولية؛ ومقررون خاصون سابقون في الأمم المتحدة؛ ومحامون عسكريون متقاعدون من دول متعددة — وقّعوا رسالة مفتوحة موجهة للحكومة الأمريكية والمجتمع الدولي. تنص الرسالة بشكل قاطع على أن:
- التدمير المتعمد والمنهجي للبنية التحتية المدنية يشكل انتهاكاً لاتفاقيات جنيف والقانون الإنساني الدولي العرفي.
- إذا نُفذ، سيشكل جرائم حرب بموجب المادة 8 من نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية.
- إذا أُجري التدمير كجزء من هجوم واسع النطاق أو منهجي ضد السكان المدنيين الإيرانيين، يمكن أن يشكل جرائم ضد الإنسانية بموجب المادة 7.
- المسؤولية الجنائية الفردية تلحق بمن يأمر أو يخطط أو ينفذ هذه الهجمات، بمن فيهم القادة العسكريون والمدنيون.
تختتم الرسالة: “النية المعلنة علنياً لتدمير البنية التحتية التي يعتمد عليها 88 مليون مدني إيراني من أجل الكهرباء والمياه النظيفة وتخزين الغذاء والرعاية الطبية والمواصلات الأساسية تمثل تهديداً بارتكاب أفعال يحظرها القانون الدولي بشكل لا لبس فيه.”
المبرر الاستراتيجي الأمريكي: فهم الجانب الآخر
موقف الإدارة
من الأهمية بمكان، من باب التحليل العادل، فهم المنطق الاستراتيجي وراء موقف الإدارة، حتى حين يثير مخاوف قانونية جدية. حجة الإدارة ترتكز على عدة دعائم:
نظرية الإكراه: تجادل الإدارة بأن التهديد بتدمير البنية التحتية (وتنفيذه محتملاً) يخلق ضغطاً يجلب الخصوم إلى طاولة المفاوضات.
مبرر الاستخدام المزدوج: محامو الإدارة يجادلون بأن كثيراً من البنية التحتية المعنية تخدم أغراضاً عسكرية وبالتالي تُعتبر أهدافاً عسكرية مشروعة.
السابقة التاريخية: يشير المسؤولون إلى حرب الخليج 1991 وحملة كوسوفو 1999 كسوابق.
الإحباط من محدودية الخيارات: بعد خمسة أسابيع من حملة مركزة على أهداف عسكرية، لم تستسلم إيران. يُنظر لاستهداف البنية التحتية كالأداة المتبقية الوحيدة لزيادة الضغط.
نقد المبرر الاستراتيجي
كل من هذه الحجج بها نقاط ضعف جوهرية حددها خبراء عسكريون وقانونيون:
سجل نظرية الإكراه ضعيف: بحسب تحليل نشرته الجزيرة، الأدلة التاريخية تشير بشكل ساحق إلى أن قصف البنية التحتية المدنية يقوّي عزيمة المدنيين لا يكسرها. الغارات على لندن عززت التصميم البريطاني. قصف الحلفاء للمدن الألمانية لم يكسر الروح المعنوية الألمانية. القصف الأمريكي لفيتنام الشمالية لم يحقق الاستسلام. قصف إسرائيل للبنان 2006 لم يهزم حزب الله.
تصنيف الاستخدام المزدوج له حدود: بينما تخدم بعض البنية التحتية فعلاً أغراضاً مزدوجة، لا يمكن تبرير التدمير المنهجي لشبكة كهرباء أمة بأكملها ومنظومات مياهها وشبكة مواصلاتها بحجة الاستخدام المزدوج.
بدائل استراتيجية موجودة: جادل استراتيجيون عسكريون، بمن فيهم جنرالات أمريكيون متقاعدون، بأن مقاربات أكثر استهدافاً — مركزة على البنية التحتية العسكرية تحديداً وعقد القيادة والسيطرة ومنشآت إنتاج الأسلحة — يمكنها تحقيق أهداف عسكرية مشروعة دون الكارثة الإنسانية والمسؤولية القانونية لتدمير البنية التحتية المدنية بشكل منهجي.
المنظور الإيراني: النظرة من موقع الهدف
رد إيران الرسمي
ردت الحكومة الإيرانية على تهديدات ترامب بمزيج من الإدانة والتحدي والرسائل الاستراتيجية الموجهة لجمهور داخلي ودولي.
وصف وزير الخارجية الإيراني التهديدات بأنها “اعتراف علني بنية ارتكاب جرائم حرب ضد الشعب الإيراني” وقدم احتجاجاً رسمياً للأمين العام للأمم المتحدة مطالباً بجلسة طارئة لمجلس الأمن.
صرّح المرشد الأعلى آية الله خامنئي في خطاب عام: “الرئيس الأمريكي يهدد بتدمير جسورنا ومحطات كهربائنا — البنية التحتية التي بناها العمال والمهندسون ودافعو الضرائب الإيرانيون على مدى عقود. هذا ليس تهديداً ضد حكومة. إنه تهديد ضد شعب. وشعب إيران لا يستسلم للتهديدات.”
الواقع الإنساني
لفهم ما تعنيه تهديدات ترامب عملياً، تأمل العواقب الفورية لتدمير البنية التحتية المدنية الإيرانية:
شبكة الكهرباء: تخدم شبكة إيران الكهربائية 88 مليون شخص. تدميرها يُلغي التبريد (تدمير مخزون الغذاء والأدوية)، والإضاءة، والتدفئة والتبريد، وضخ المياه، ومعدات المستشفيات، والاتصالات. كبار السن والأطفال والمرضى المزمنون الأكثر عرضة — يُقدر عددهم بـ 15-20 مليون إيراني يعتمدون على الكهرباء لأجهزة طبية أو تنظيم الحرارة أو حفظ الغذاء.
منظومات المياه: معالجة وتوزيع المياه الحديثة تعتمد كلياً على الضخ الكهربائي والمعالجة الكيميائية. بدون كهرباء، تتوقف محطات معالجة المياه خلال ساعات. خلال أيام، ستفقد تجمعات سكانية حضرية من عشرات الملايين الوصول لمياه شرب آمنة. أمراض منقولة بالمياه — كوليرا وتيفوئيد ودوسنتاريا — ستتبع خلال أسابيع.
الجسور: جغرافيا إيران الجبلية تجعل الجسور حيوية ليس فقط للنقل بل للوصول للغذاء والرعاية الطبية. تدمير الجسور يعزل المجتمعات ويمنع إيصال المساعدات الإنسانية.
الرعاية الصحية: المستشفيات الإيرانية، المرهقة أصلاً بضحايا خمسة أسابيع من الغارات، تعتمد على كهرباء ومياه ونقل موثوق. تدمير هذه الأنظمة سينهار منظومة الرعاية الصحية فعلياً.
وفق تحليل نشرته وول ستريت جورنال، الأثر المشترك للتدمير المنهجي للبنية التحتية سيكون “كارثة إنسانية من صنع الإنسان تطال عشرات الملايين، بأثر على الوفيات قد يتجاوز الضحايا المباشرين للعمليات العسكرية بأوامر من الحجم.”
الاستجابة الدولية: عالم منقسم
انزعاج الحلفاء
خلقت تهديدات ترامب انزعاجاً كبيراً بين حلفاء أمريكا التقليديين. أصدر الممثل السامي للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية بياناً أشار فيه إلى أن “التدمير المتعمد للبنية التحتية المدنية يتعارض مع القانون الإنساني الدولي والقيم التي بُني عليها التحالف عبر الأطلسي.”
عدة دول حليفة أبلغت واشنطن سراً أنها ستُجبر على التنصل علنياً من الحملة — وربما سحب الدعم الاستخباراتي واللوجستي — إذا بدأ استهداف منهجي للبنية التحتية.
استجابة الجنوب العالمي
دول خارج المنظومة الغربية كانت أكثر صراحة. الصين وصفت التهديدات بـ”الهمجية والانتهاك الصارخ للقانون الدولي.” روسيا وصفتها بـ”إرهاب الدولة.” الاتحاد الأفريقي أعرب عن “قلق بالغ.” جامعة الدول العربية أصدرت بياناً يحذر من أن “التدمير المتعمد للبنية التحتية المدنية في أي دولة يُرسي سابقة تهدد أمن جميع الدول.”
حركة عدم الانحياز، الممثلة لـ 120 دولة عضو، دعت لجلسة طارئة للجمعية العامة للأمم المتحدة.
المنظور المصري والإقليمي
بالنسبة لمصر التي حافظت على حياد حذر مع الدعوة للحل الدبلوماسي، تمثل تهديدات ترامب تصعيداً خطيراً قد يزعزع استقرار المنطقة بأكملها. قلق القاهرة متعدد الأوجه:
إنسانياً: مصر، كمتلقٍ رئيسي للمساعدات العسكرية والاقتصادية الأمريكية وفي الوقت ذاته دولة ذات روابط عميقة بالعالم الإسلامي الأوسع، تشعر بعدم ارتياح عميق تجاه مشهد رئيس أمريكي يهدد بتدمير البنية التحتية المدنية لأمة ذات غالبية مسلمة.
كسابقة: إذا أصبح التدمير المتعمد للبنية التحتية المدنية أداة مقبولة للحرب، فإن السابقة تطال كل دولة في المنطقة. ما يحدث لإيران اليوم قد يحدث لأي أمة غداً.
استراتيجياً: كارثة إنسانية في إيران ستولّد تدفقات لاجئين هائلة وعدم استقرار إقليمي واضطرابات اقتصادية ستطال حتماً مصر وجيرانها.
لبنان ينظر للتهديدات بقلق خاص، حيث أن أي تصعيد كبير ضد إيران يزيد خطر توسع النزاع ليشمل حزب الله — سيناريو قد يدمر البنية التحتية والاقتصاد اللبناني الهش أصلاً.
فلسطين تجد قضيتها مهمشة مجدداً مع تركيز الاهتمام الدولي على النزاع مع إيران. رسم قادة فلسطينيون أوجه تشابه بين تهديدات ترامب ضد البنية التحتية الإيرانية وتدمير البنية التحتية المدنية الفلسطينية في غزة والضفة الغربية، مجادلين بأن كليهما يعكس نمطاً من تجاهل الحياة المدنية.
ماذا لو نُفذت التهديدات: تحليل سيناريوهات
الكارثة الإنسانية
إذا نُفذت تهديدات ترامب — تدمير منهجي لشبكة الكهرباء ومنظومات المياه والجسور والبنية التحتية المدنية الإيرانية — ستكون العواقب الإنسانية كارثية وطويلة الأمد:
- أثر فوري: فقدان الطاقة الكهربائية على مستوى البلاد خلال 48-72 ساعة. المستشفيات تعمل على مولدات احتياطية حتى نفاد الوقود (عادة 3-7 أيام). فشل معالجة المياه في المدن الكبرى خلال 24-48 ساعة.
- قصير المدى (أسابيع): تلف الطعام بسبب فقدان التبريد. تفشي أمراض منقولة بالمياه. انهيار سلسلة الإمداد الطبي.
- متوسط المدى (أشهر): سوء تغذية واسع. أوبئة أمراض منقولة بالمياه. وفيات زائدة تُقدر بعشرات الآلاف، أساساً بين الأطفال وكبار السن.
- طويل المدى (سنوات): إعادة بناء البنية التحتية المدمرة ستستغرق سنوات وتكلف مئات المليارات. قد تصل الحصيلة الإنسانية لمئات آلاف الوفيات الزائدة على مدى عدة سنوات.
الارتداد الاستراتيجي
بشكل مفارق، التدمير الذي يهدد به ترامب من المرجح أن يقوّض لا أن يعزز الأهداف الاستراتيجية الأمريكية:
مرونة إيرانية: التاريخ يُظهر باستمرار أن تدمير البنية التحتية يقوّي عزيمة المدنيين لا يكسرها. الإيرانيون، الذين بُنيت هويتهم الوطنية على مقاومة الضغط الخارجي، سيلتفون حول الحكومة على الأرجح لا يطالبون بالاستسلام.
عزلة دولية: تدمير منهجي للبنية التحتية سيدفع معظم الحلفاء الأمريكيين للتنصل من الحملة. التحالف الهش أصلاً قد ينهار.
المسؤولية القانونية: رغم أن الولايات المتحدة لا تعترف بولاية المحكمة الجنائية الدولية، فإن توثيق التدمير المنهجي للبنية التحتية سيخلق تعرضاً قانونياً دائماً للقادة العسكريين والسياسيين.
عبء إعادة الإعمار: إذا انتهى النزاع وسعت أمريكا لإيران مستقرة وعاملة كنتيجة إقليمية، فإن تدمير البنية التحتية يخلق عبء إعادة إعمار هائلاً — تكراراً لنمط العراق حيث فاقت تكاليف إعادة الإعمار تكاليف العمليات العسكرية.
البعد الأخلاقي: أي قوة عظمى تريد أمريكا أن تكون؟
في نهاية المطاف، النقاش حول تهديدات ترامب ليس فقط عن القانونية أو الاستراتيجية — إنه عن الهوية. أي قوة عظمى تريد الولايات المتحدة أن تكون؟
أمريكا تدمر عمداً البنية التحتية التي تُبقي 88 مليون شخص على قيد الحياة — تقطع كهربائهم وتلوث مياههم وتُنهار مستشفياتهم وتعزل مجتمعاتهم — هي دولة مختلفة جداً عن تلك التي وضعت نفسها تاريخياً كبطلة لحقوق الإنسان والقيم الديمقراطية وسيادة القانون.
عبارة “العودة للعصر الحجري” ليست مجرد خطاب. إنها وصف لشكل الحياة بدون كهرباء ومياه نظيفة وطب حديث ومواصلات عاملة. إنها وصف لمعاناة جماعية تُلحق عمداً بسكان مدنيين. وهي، بموجب القانون الدولي، وصف لجريمة حرب.
هذا لا يعني أن إيران لا تتحمل مسؤولية عن النزاع أو أن أفعالها لم تنتهك القانون الدولي. لكن عدم مشروعية سلوك أحد الأطراف لا يُجيز للطرف الآخر ارتكاب انتهاكاته الخاصة. هذا مبدأ أساسي في القانون الإنساني الدولي: التزامات القانون تنطبق على جميع الأطراف في جميع الأوقات.
الخاتمة: الخط الذي لا يجب تجاوزه
ثمة خطوط في الحرب، حين تُتجاوز، لا يمكن التراجع عنها. التدمير المتعمد والمنهجي للبنية التحتية المدنية أحدها. اتفاقيات جنيف وُجدت بالتحديد لترسيم هذه الخطوط — للقول إنه حتى في رعب الحرب، ثمة أفعال ممنوعة مطلقاً.
تهديدات الرئيس ترامب بقصف إيران “والعودة بها للعصر الحجري” — بتدمير جسورها ومحطات كهربائها ومنظومات مياهها — تصف حملة يحظرها القانون الدولي، ويشير التاريخ العسكري إلى أنها ستفشل في تحقيق أهدافها، وستسبب معاناة إنسانية على نطاق هائل.
الـ 100+ خبير قانوني الذين وقعوا الرسالة المفتوحة ليسوا ناشطين معادين لأمريكا أو متعاطفين مع إيران. إنهم علماء وممارسون للأطر القانونية التي ساعدت الولايات المتحدة نفسها في إنشائها بعد الحرب العالمية الثانية. تحذيرهم ليس سياسياً بل مهني. القانون واضح. عواقب انتهاكه متوقعة. والمسؤولية الأخلاقية تقع على من يُصدر الأوامر.
العالم يراقب. التاريخ يُسجّل. والقرارات المتخذة في الأيام القادمة ستحدد ليس فقط نتيجة هذا النزاع، بل نوع النظام الدولي الذي سينبثق منه.
