تشهد سوق السندات الخضراء في الشرق الأوسط نمواً غير مسبوق، حيث تُشير التوقعات إلى أنّ إجمالي الإصدارات الخضراء والمستدامة في المنطقة سيتجاوز حاجز 50 مليار دولار بحلول عام 2027. يأتي هذا التحوّل مدفوعاً بالتزامات حكومية طموحة مثل مبادرة السعودية الخضراء واستراتيجية الإمارات للحياد المناخي 2050، فضلاً عن تصاعد اهتمام المستثمرين المؤسسيين الدوليين بأدوات التمويل المستدام في أسواق الأسواق الخليجية والعربية.
سوق السندات الخضراء في الشرق الأوسط: المشهد الراهن وحجم الإصدارات
بلغ إجمالي إصدارات السندات الخضراء والاجتماعية والمستدامة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا نحو 32 مليار دولار تراكمياً حتى نهاية عام 2025، وفقاً لبيانات مبادرة السندات المناخية (Climate Bonds Initiative). وقد سجّل عام 2025 وحده إصدارات تجاوزت 12 مليار دولار، مقارنة بنحو 8 مليارات دولار في 2024 و5.4 مليار دولار في 2023، ما يعكس معدّل نمو سنوي مركّب يتجاوز 40%.
وتتصدّر المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة المشهد الإقليمي، حيث استحوذتا معاً على أكثر من 70% من إجمالي الإصدارات. كما شهدت دول مثل قطر والبحرين وعُمان دخولاً تدريجياً إلى هذه السوق، مع إطلاق أُطر تنظيمية متوافقة مع مبادئ السندات الخضراء الصادرة عن الرابطة الدولية لأسواق رأس المال (ICMA).
أبرز الصفقات والجهات المصدرة للسندات الخضراء في المنطقة
شكّلت الصفقات الكبرى محوراً أساسياً في تعزيز مكانة المنطقة على خريطة التمويل الأخضر العالمي. ومن أبرز هذه الصفقات:
- صندوق الاستثمارات العامة السعودي (PIF): أصدر في أكتوبر 2025 سندات خضراء بقيمة 5.5 مليار دولار، وهي الأكبر في تاريخ المنطقة، لتمويل مشاريع الطاقة المتجددة وتحلية المياه ضمن رؤية 2030. وقد شهد الإصدار طلباً فاق العرض بأكثر من 3 أضعاف، ما يعكس ثقة المستثمرين الدوليين بمسار التحوّل السعودي.
- شركة مصدر (Masdar): أطلقت أول صكوك خضراء في تاريخ الشركة بقيمة 750 مليون دولار في 2024، لتمويل محفظة مشاريع طاقة شمسية ورياح في الإمارات ومصر وأوزبكستان، وذلك بالتعاون مع HSBC للتمويل المستدام.
- شركة أكوا باور (ACWA Power): أصدرت سندات خضراء بقيمة 1.4 مليار دولار خلال الفترة 2023-2025 لتمويل مشاريع الهيدروجين الأخضر ومحطات الطاقة الشمسية المركّزة في نيوم والعلا.
- بنك أبوظبي الأول (First Abu Dhabi Bank – FAB): أصبح أكبر مُصدر مصرفي للسندات الخضراء في المنطقة بإصدارات تراكمية تتجاوز 3.5 مليار دولار، مع حصوله على تصنيف Moody’s ESG المتقدّم.
- البنك الأهلي السعودي (Saudi National Bank – SNB): أطلق برنامج سندات مستدامة بسقف 5 مليارات دولار، مع إصدار أولي بقيمة 1.25 مليار دولار في مارس 2025.
وتلعب أسواق مثل ناسداك دبي وسوق دبي المالي دوراً محورياً في إدراج هذه الأدوات وتوفير منصات تداول شفافة ومتوافقة مع المعايير الدولية.
الإطار التنظيمي ومعايير الحوكمة البيئية والاجتماعية (ESG)
يُعدّ تطوير الأُطر التنظيمية لمعايير ESG أحد العوامل الرئيسية التي عزّزت ثقة المستثمرين في سوق السندات الخضراء بالمنطقة. وقد اتخذت الحكومات والهيئات الرقابية خطوات جوهرية في هذا الاتجاه:
- هيئة السوق المالية السعودية: أصدرت في 2024 إرشادات محدّثة لإدراج وتداول أدوات الدين المستدامة، متوافقة مع معايير ICMA ومبادئ الأمم المتحدة للاستثمار المسؤول.
- سوق أبوظبي للأوراق المالية (ADX): أطلق منصة متخصصة لتداول السندات الخضراء والمستدامة مع متطلبات إفصاح ربع سنوية عن الأثر البيئي.
- مركز قطر للمال (QFC): أصدر إطاراً شاملاً للتمويل المستدام يشمل تصنيف المشاريع الخضراء وفقاً لمعايير البنك الدولي للسندات الخضراء.
- هيئة الأوراق المالية والسلع الإماراتية: فرضت إفصاحات ESG إلزامية على الشركات المدرجة اعتباراً من يناير 2025، مما زاد من شفافية السوق.
وتؤكّد تقارير S&P Global أنّ نضج الإطار التنظيمي في دول الخليج بات يُقارب المستويات الأوروبية، وهو ما يُسهم في جذب شريحة أوسع من المستثمرين المؤسسيين الذين يلتزمون بمعايير الاستثمار المسؤول.
المبادرات الحكومية الكبرى التي تدفع نمو السندات الخضراء
لا يمكن فهم التوسّع السريع في سوق السندات الخضراء الخليجية بمعزل عن المبادرات الوطنية الاستراتيجية التي تُوفّر البيئة الداعمة لهذا النمو:
مبادرة السعودية الخضراء (Saudi Green Initiative): تستهدف خفض الانبعاثات الكربونية بمقدار 278 مليون طن سنوياً بحلول 2030، وزراعة 10 مليارات شجرة، وتوليد 50% من الكهرباء من مصادر متجددة. هذه الأهداف تتطلب استثمارات ضخمة تُقدّر بأكثر من 180 مليار دولار، سيُموَّل جزء كبير منها عبر إصدارات السندات والصكوك الخضراء.
استراتيجية الإمارات للحياد المناخي 2050: تُخصّص الإمارات ما يزيد عن 160 مليار دولار للاستثمار في الطاقة النظيفة والتكنولوجيا المستدامة حتى 2050، مع استهداف خفض الانبعاثات بنسبة 40% بحلول 2030.
استراتيجية قطر الوطنية للبيئة وتغيّر المناخ: أعلنت قطر عن خطة لخفض انبعاثات غازات الدفيئة بنسبة 25% بحلول 2030، مع تخصيص صندوق سيادي بقيمة 10 مليارات دولار للاستثمار في مشاريع الاستدامة، بما يشمل إصدار سندات خضراء سيادية.
“إنّ سوق السندات الخضراء في الشرق الأوسط لم تعد سوقاً ناشئة بل أصبحت سوقاً استراتيجية تستقطب رؤوس الأموال العالمية. نتوقّع أن تتجاوز الإصدارات التراكمية 50 مليار دولار قبل نهاية 2027.”
— شون كيدني، الرئيس التنفيذي لمبادرة السندات المناخية (Climate Bonds Initiative)
الصكوك الخضراء: أداة تمويل إسلامي مستدام فريدة
تُمثّل الصكوك الخضراء تقاطعاً فريداً بين التمويل الإسلامي والتمويل المستدام، ما يمنح المنطقة ميزة تنافسية عالمية. فالمبادئ الشرعية التي تحظر الاستثمار في القطاعات الضارة بالبيئة تتوافق طبيعياً مع أهداف السندات الخضراء.
وقد شهدت سوق الصكوك الخضراء نمواً لافتاً، حيث بلغ إجمالي الإصدارات العالمية للصكوك المستدامة نحو 15 مليار دولار حتى 2025، تستحوذ دول الخليج على أكثر من 60% منها. ويتوقّع محللو Bloomberg Green أن تتضاعف هذه الحصة بحلول 2028 مع دخول مُصدرين جدد من القطاعين الحكومي والخاص.
ومن أبرز القطاعات المستفيدة من عائدات الصكوك الخضراء:
- الطاقة المتجددة: تمويل مشاريع الطاقة الشمسية والرياح، بما في ذلك مشروع سدير للطاقة الشمسية (1.5 غيغاواط) ومشروع الظفرة في أبوظبي (2 غيغاواط).
- المباني الخضراء: تطوير عقارات مستدامة وفقاً لمعايير LEED وEstidama، خاصة في مدينة مصدر ومشروع ذا لاين في نيوم.
- النقل المستدام: تمويل مشاريع المترو والحافلات الكهربائية في الرياض ودبي والدوحة.
- إدارة المياه: محطات تحلية تعمل بالطاقة المتجددة وأنظمة إعادة تدوير المياه.
- الهيدروجين الأخضر: مشاريع إنتاج الهيدروجين النظيف في نيوم والدقم وراس لفان، بدعم من الوكالة الدولية للطاقة المتجددة (IRENA).
التحدّيات والمخاطر التي تواجه سوق السندات الخضراء الإقليمية
رغم المسار التصاعدي الواعد، تواجه سوق السندات الخضراء في الشرق الأوسط عدداً من التحدّيات التي ينبغي معالجتها لضمان استدامة النمو:
- مخاطر الغسل الأخضر (Greenwashing): يُحذّر خبراء Reuters من أنّ بعض الإصدارات قد لا تلتزم فعلياً بالمعايير البيئية الصارمة، ما يستدعي تعزيز آليات التحقق المستقل والمراجعة الخارجية.
- محدودية السوق الثانوية: لا تزال أحجام التداول في السوق الثانوية متواضعة مقارنة بالأسواق الأوروبية، ما يُقلّل من سيولة هذه الأدوات ويرفع تكلفة التمويل.
- التقلّبات الجيوسياسية: تظلّ المخاطر الجيوسياسية في المنطقة عاملاً مؤثراً على شهية المستثمرين الأجانب، رغم أنّ الأداء القوي للاقتصادات الخليجية قد خفّف من هذا الأثر.
- نقص الكوادر المتخصصة: تحتاج المنطقة إلى مزيد من الخبراء في مجالات التصنيف البيئي وتقييم الأثر المناخي وهيكلة المنتجات المالية المستدامة.
وتعمل مؤسسات مثل مؤسسة التمويل الدولية (IFC) وStandard Chartered على تقديم برامج بناء قدرات للمؤسسات المالية في المنطقة لسدّ هذه الفجوة.
توقعات سوق السندات الخضراء في الشرق الأوسط حتى 2030
تتقاطع عدة عوامل هيكلية لتدعم استمرار النمو المتسارع في سوق السندات الخضراء الشرق أوسطية خلال السنوات المقبلة. وبحسب تقديرات S&P Global وClimate Bonds Initiative، يُتوقّع أن تتجاوز الإصدارات التراكمية 50 مليار دولار بحلول منتصف 2027، وقد تصل إلى 100 مليار دولار بحلول 2030 إذا حافظت المنطقة على معدّلات النمو الحالية.
ومن أبرز المحرّكات المتوقّعة للنمو في الاقتصاد الإقليمي:
- التحوّل في مزيج الطاقة: تستهدف دول الخليج رفع حصة الطاقة المتجددة إلى 30-50% من إجمالي توليد الكهرباء بحلول 2030، ما يتطلب استثمارات تتجاوز 200 مليار دولار.
- اقتصاد الهيدروجين الأخضر: تسعى السعودية والإمارات وعُمان لتصبح من أكبر مُصدّري الهيدروجين النظيف عالمياً، مع مشاريع عملاقة مثل نيوم غرين هيدروجين (بشراكة مع أكوا باور وإير بروداكتس).
- التوسّع العمراني المستدام: مشاريع عملاقة مثل ذا لاين ومدينة مصدر والمدن الذكية في قطر تتطلب تمويلاً أخضر ضخماً.
- الاقتصاد الدائري: استثمارات متزايدة في إعادة التدوير وتحويل النفايات إلى طاقة وتقنيات احتجاز الكربون.
- تنويع قاعدة المُصدرين: دخول شركات صغيرة ومتوسطة وبنوك إقليمية جديدة إلى سوق الإصدارات الخضراء.
“المنطقة تمتلك كلّ المقوّمات لتصبح مركزاً عالمياً للتمويل الأخضر: رؤوس أموال وفيرة، وإرادة سياسية قوية، وموارد طبيعية هائلة للطاقة المتجددة. ما نحتاجه الآن هو تعميق السوق الثانوية وتعزيز الشفافية.”
— تقرير Reuters للتمويل المستدام، يناير 2026
يبقى مستقبل سوق السندات الخضراء في الشرق الأوسط واعداً بامتياز. ومع تسارع وتيرة الإصدارات ونضج الأُطر التنظيمية وتنامي الوعي بأهمية التمويل المستدام، فإنّ المنطقة تسير بخطى ثابتة نحو تجاوز حاجز 50 مليار دولار من الإصدارات الخضراء التراكمية. وستظلّ الصكوك الخضراء الأداة المالية الأكثر تميّزاً في هذا المشهد، بفضل قدرتها على المزج بين المبادئ الشرعية والأهداف البيئية، ما يجعل من الشرق الأوسط نموذجاً فريداً في عالم التمويل الأخضر العالمي.
هذا المقال لأغراض تعليمية فقط ولا يُعتبر نصيحة مالية. استشر مستشاراً مالياً مرخصاً قبل اتخاذ أي قرار استثماري.
