الأسواق
تاسي 10,831 -1.6% مؤشر الإمارات $19.17 +0.5% البورصة المصرية 46,415 -0.8% الذهب $5,149 -0.2% النفط $88.69 -4.3% S&P 500 6,796 +0.8% بيتكوين $68,979 +4.6%
English
طاقة

اقتصاد الهيدروجين الأخضر يتشكّل في دول الخليج العربي

تتسابق دول الخليج العربي بقيادة السعودية والإمارات وعُمان للهيمنة على سوق الهيدروجين الأخضر العالمي الذي تُقدّر قيمته بأكثر من 500 مليار دولار بحلول 2050، عبر مشاريع عملاقة كمشروع نيوم بقيمة 8.4 مليار دولار وHyPort الدقم واستراتيجية مصدر الطموحة. تستهدف المنطقة إنتاج أكثر من 10 ملايين طن سنوياً من الهيدروجين الأخضر…

اقتصاد الهيدروجين الأخضر يتشكّل في دول الخليج العربي

يتجه الهيدروجين الأخضر ليصبح الركيزة الأساسية في منظومة الطاقة النظيفة العالمية، ويتصدر الخليج العربي — وعلى رأسه المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة — سباق الهيمنة على هذا القطاع الذي تُقدّر قيمته بأكثر من 500 مليار دولار بحلول عام 2050 وفقاً لتقديرات مجلس الهيدروجين العالمي (Hydrogen Council). فمع امتلاك المنطقة لموارد طاقة شمسية ورياح لا مثيل لها، ورؤوس أموال سيادية ضخمة، وبنية تحتية راسخة لتصدير الطاقة، تتحول دول الخليج من عمالقة النفط والغاز إلى قادة عالميين في إنتاج وتصدير الهيدروجين الأخضر. ووفقاً لأحدث تقارير وكالة الطاقة الدولية (IEA)، سيُمثّل الهيدروجين ما يصل إلى 12% من مزيج الطاقة العالمي بحلول 2050، مما يفتح سوقاً هائلة تتنافس عليها دول الخليج مع تشيلي وأستراليا وغيرها من المنتجين الطموحين. يستعرض هذا التقرير الشامل كيف تُعيد السعودية والإمارات وعُمان رسم خريطة الطاقة العالمية عبر مشاريع هيدروجين أخضر ضخمة من نيوم إلى مسقط، والتحديات التي تواجه هذا التحول، وأثره على مستقبل اقتصادات الطاقة النظيفة في الشرق الأوسط.

مشروع نيوم للهيدروجين الأخضر: أكبر منشأة إنتاج في العالم

يُعد مشروع نيوم للهيدروجين الأخضر — المعروف رسمياً باسم NEOM Green Hydrogen Company (NGHC) — المشروع الأكثر طموحاً على مستوى العالم في هذا القطاع. يقع المشروع في شمال غرب المملكة العربية السعودية ضمن مدينة نيوم المستقبلية، وهو شراكة استراتيجية بين ثلاثة عمالقة: شركة أكوا باور (ACWA Power) السعودية، وشركة إير برودكتس (Air Products) الأمريكية، وشركة نيوم.

تتضمن المواصفات الرئيسية للمشروع:

Dragos Capital - AI Trading Platform
  • الطاقة الإنتاجية: يهدف المشروع إلى إنتاج 600 طن يومياً من الهيدروجين الأخضر — ما يُعادل 1.2 مليون طن سنوياً من الأمونيا الخضراء — مما يجعله أكبر منشأة إنتاج للهيدروجين الأخضر في العالم.
  • محللات كهربائية (Electrolyzers): يستخدم المشروع أكثر من 120 محللاً كهربائياً بقدرة إجمالية تتجاوز 2.2 جيجاواط، تعمل جميعها بالطاقة المتجددة من الشمس والرياح.
  • الطاقة المتجددة: يُغذي المشروع أكثر من 4 جيجاواط من طاقة الرياح والطاقة الشمسية، مما يضمن إنتاج هيدروجين خالٍ تماماً من الكربون.
  • الاستثمار: تبلغ التكلفة الإجمالية للمشروع نحو 8.4 مليار دولار، وهو من أكبر استثمارات الهيدروجين الأخضر في التاريخ.
  • التشغيل التجاري: من المتوقع بدء التشغيل التجاري في عام 2026، مع تصدير الأمونيا الخضراء عبر ميناء نيوم المطل على البحر الأحمر.

وأوضح تقرير Reuters أن مشروع نيوم سيستفيد من الظروف المناخية الفريدة في المنطقة حيث تتوفر أشعة شمسية مباشرة لأكثر من 300 يوم سنوياً وسرعات رياح ثابتة تتجاوز 10 أمتار في الثانية، مما يُخفّض تكلفة الكهرباء المتجددة بشكل كبير ويمنح المشروع ميزة تنافسية هائلة مقارنة بمنافسيه في تشيلي وأستراليا.

“مشروع نيوم للهيدروجين الأخضر ليس مجرد مشروع طاقة — إنه إعلان واضح بأن المملكة العربية السعودية تعتزم قيادة تحول الطاقة العالمي بنفس القوة التي قادت بها سوق النفط على مدى عقود. الحجم والطموح لا مثيل لهما في أي مكان آخر في العالم.”
— تقرير ماكنزي (McKinsey) حول مستقبل الهيدروجين

أكوا باور: القوة السعودية الدافعة لمشاريع الهيدروجين

تُعد شركة أكوا باور (ACWA Power) — المملوكة جزئياً لصندوق الاستثمارات العامة السعودي — المحرك الرئيسي لاستراتيجية الهيدروجين في المملكة والمنطقة بأكملها. فإلى جانب شراكتها المحورية في مشروع نيوم، تتوسع الشركة بقوة في محفظة مشاريع الهيدروجين الأخضر على مستوى العالم.

تشمل محفظة أكوا باور للهيدروجين:

  • مشروع نيوم للهيدروجين الأخضر (NGHC): الشراكة الرئيسية مع Air Products لإنتاج 1.2 مليون طن سنوياً من الأمونيا الخضراء بقيمة 8.4 مليار دولار.
  • مشاريع الهيدروجين في عُمان: وقّعت أكوا باور اتفاقيات لتطوير مشاريع هيدروجين أخضر في المنطقة الاقتصادية الخاصة بالدقم بطاقة إنتاجية ضخمة.
  • مشاريع في آسيا الوسطى وأفريقيا: تستكشف الشركة فرص تطوير مشاريع هيدروجين أخضر في أوزبكستان ومصر وجنوب أفريقيا.
  • تقنيات التحليل الكهربائي: تستثمر أكوا باور في شراكات مع مصنّعي المحللات الكهربائية (Electrolyzers) لتأمين سلسلة التوريد وخفض التكاليف، بما في ذلك تقنيات PEM والقلوية (Alkaline).

وأشار تقرير بلومبرغ لأبحاث الطاقة الجديدة (BloombergNEF) إلى أن أكوا باور تمتلك واحدة من أكبر محافظ مشاريع الهيدروجين الأخضر قيد التطوير في العالم، مع خطط لتحقيق قدرة إنتاجية تتجاوز 4 ملايين طن سنوياً من الهيدروجين بحلول 2035. ويُقدّر إجمالي استثمارات الشركة في قطاع الهيدروجين بأكثر من 15 مليار دولار على مدى العقد القادم. وتُشير الخطة الاستراتيجية للشركة إلى أن الهيدروجين سيُمثّل أكثر من 30% من محفظتها الإجمالية بحلول 2030، مقارنة بأقل من 10% حالياً.

كما تعمل أكوا باور على تطوير سلسلة قيمة متكاملة تشمل إنتاج الهيدروجين الأخضر وتحويله إلى أمونيا خضراء للتصدير عبر ناقلات متخصصة، إضافة إلى استكشاف تطبيقات أخرى مثل الميثانول الأخضر ووقود الطيران المستدام (SAF). ويُعزز هذا التوجه مكانة الشركة كلاعب عالمي في قطاع الطاقة النظيفة ويدعم أهداف رؤية 2030 في تنويع الاقتصاد السعودي بعيداً عن الاعتماد على النفط.

استراتيجية مصدر الإماراتية للهيدروجين: من أبوظبي إلى الأسواق العالمية

تتبنى شركة مصدر (Masdar) — ذراع الطاقة النظيفة لإمارة أبوظبي — استراتيجية طموحة لتصبح لاعباً رائداً في سوق الهيدروجين الأخضر العالمي. وتهدف مصدر إلى بناء قدرة إنتاجية تبلغ مليون طن سنوياً من الهيدروجين الأخضر بحلول 2030، مع طموحات للوصول إلى أكثر من 3 ملايين طن بحلول 2035.

تتعدد محاور استراتيجية مصدر للهيدروجين:

  • مشاريع محلية في أبوظبي: تطوير مشاريع هيدروجين أخضر في المنطقة الصناعية بالطويلة والرويس، مع الاستفادة من البنية التحتية الصناعية القائمة ومنشآت تصدير الطاقة.
  • شراكات دولية: وقّعت مصدر اتفاقيات مع شركاء في هولندا وألمانيا واليابان وكوريا الجنوبية والمملكة المتحدة لتطوير ممرات تصدير الهيدروجين الأخضر وتوريده للأسواق الأوروبية والآسيوية.
  • الاستثمار في التقنيات: تستثمر مصدر في تقنيات المحللات الكهربائية من الجيل القادم التي تَعِد بخفض تكلفة إنتاج الهيدروجين بنسبة 30-40% بحلول 2030.
  • شهادات الهيدروجين الأخضر: تعمل مصدر مع هيئات دولية لتطوير أنظمة شهادات وتتبع تضمن أن الهيدروجين المنتج يفي بمعايير الاستدامة الأوروبية والآسيوية، وهو شرط أساسي للوصول إلى الأسواق العالمية المتميزة.

وكشف تقرير الوكالة الدولية للطاقة المتجددة (IRENA) — التي يقع مقرها في أبوظبي — أن الإمارات تتمتع بموقع استراتيجي فريد يجمع بين موارد الطاقة الشمسية الوفيرة (بمعدل إشعاع شمسي يتجاوز 2,000 كيلوواط ساعة/متر مربع سنوياً) وبنية تحتية بحرية متطورة لتصدير الطاقة وعلاقات تجارية راسخة مع أكبر مستوردي الطاقة في العالم. وتُعزز هذه المزايا قدرة الإمارات على المنافسة مع أستراليا وتشيلي والمغرب في سباق تصدير الهيدروجين الأخضر.

كما أعلنت الإمارات عن استراتيجية وطنية للهيدروجين تستهدف الاستحواذ على 25% من سوق الهيدروجين منخفض الكربون العالمي بحلول 2050، مع استثمارات حكومية وخاصة مجتمعة تتجاوز 20 مليار دولار في البنية التحتية للهيدروجين خلال العقد القادم.

الهيدروجين الأخضر في عُمان: مشروع HyPort الدقم ورهان السلطنة

تبرز سلطنة عُمان كلاعب رئيسي غير متوقع في سباق الهيدروجين الأخضر الخليجي والعالمي. فقد أطلقت السلطنة استراتيجية وطنية للهيدروجين تهدف إلى إنتاج ما لا يقل عن مليون طن سنوياً من الهيدروجين الأخضر بحلول 2030، مع طموحات للوصول إلى 3.75 مليون طن بحلول 2040 و8.5 مليون طن بحلول 2050.

يتصدر مشروع HyPort الدقم (HyPort Duqm) مشاريع الهيدروجين العُمانية:

  • الموقع: يقع في المنطقة الاقتصادية الخاصة بالدقم على ساحل بحر العرب، وهو موقع استراتيجي يتميز بالقرب من ممرات الشحن البحري الدولية.
  • الشراكة: مشروع مشترك بين Hydrogen Oman (Hydrom) وائتلاف من مستثمرين دوليين يشمل شركات أوروبية وآسيوية.
  • الطاقة الإنتاجية: يستهدف إنتاج مئات الآلاف من أطنان الهيدروجين الأخضر سنوياً، مع تحويل جزء كبير منها إلى أمونيا خضراء للتصدير.
  • البنية التحتية: يشمل المشروع تطوير ميناء تصدير متخصص ومرافق تخزين ومحطات تحويل الهيدروجين إلى أمونيا.
  • الطاقة المتجددة: يعتمد على مزيج من طاقة الرياح القوية في منطقة الدقم والطاقة الشمسية الوفيرة لتشغيل المحللات الكهربائية.

وأوضح تقرير BloombergNEF أن عُمان تتمتع بميزة تنافسية فريدة تتمثل في مساحات شاسعة غير مستغلة تصلح لمشاريع الطاقة الشمسية والرياح، إضافة إلى سرعات رياح استثنائية على ساحلها الجنوبي تتجاوز 8-12 متراً في الثانية بشكل مستمر. كما أن موقعها الجغرافي يجعلها أقرب إلى أسواق آسيا الضخمة — خاصة اليابان وكوريا الجنوبية والهند — مقارنة بمنافسين آخرين.

وأنشأت عُمان شركة Hydrogen Oman (Hydrom) كذراع حكومي مخصص لإدارة قطاع الهيدروجين، وقد منحت الشركة حتى الآن عدة مناقصات ضخمة لمشاريع هيدروجين أخضر بقيمة إجمالية تتجاوز 30 مليار دولار، مما يضع السلطنة في مصاف أكبر المنتجين المستقبليين على مستوى العالم.

تصنيع المحللات الكهربائية وسلسلة التوريد: سباق التوطين

يُمثّل تصنيع المحللات الكهربائية (Electrolyzers) — الأجهزة التي تفصل الماء إلى هيدروجين وأكسجين باستخدام الكهرباء — عنق الزجاجة الأكبر في صناعة الهيدروجين الأخضر العالمية. ووفقاً لتقديرات وكالة الطاقة الدولية (IEA)، يحتاج العالم إلى مضاعفة قدرة تصنيع المحللات الكهربائية أكثر من 100 ضعف بحلول 2030 لتحقيق أهداف الحياد الكربوني.

تتخذ دول الخليج خطوات استراتيجية لتوطين هذه الصناعة الحيوية:

  1. مصانع محللات كهربائية في السعودية: تستكشف المملكة إنشاء مصانع محلية لتصنيع المحللات الكهربائية بالتعاون مع شركات تقنية عالمية، ضمن استراتيجية توطين سلسلة القيمة التي تهدف إلى تحقيق محتوى محلي يتجاوز 50% في مشاريع الهيدروجين.
  2. شراكات مع مصنّعين أوروبيين وآسيويين: وقّعت شركات سعودية وإماراتية اتفاقيات مع مصنّعي محللات كهربائية رائدين مثل Thyssenkrupp Nucera وNel Hydrogen وITM Power لنقل التقنية والتصنيع المشترك.
  3. تطوير تقنيات محلية: تستثمر مراكز بحثية في السعودية والإمارات في تطوير تقنيات محللات كهربائية من الجيل القادم، بما في ذلك المحللات بأغشية البروتون (PEM) ومحللات الأكسيد الصلب (SOEC) التي تَعِد بكفاءة أعلى وتكلفة أقل.
  4. مناطق صناعية متخصصة: تُخصص مدن صناعية مثل رابغ والجبيل في السعودية والمنطقة الصناعية في خليفة (KIZAD) في أبوظبي مساحات لتوطين صناعة مكونات الهيدروجين.

وأشار تقرير ماكنزي (McKinsey) إلى أن تكلفة المحللات الكهربائية انخفضت بنحو 40% خلال السنوات الخمس الماضية، ومن المتوقع أن تنخفض بنسبة 60-80% إضافية بحلول 2030 مع تصاعد أحجام الإنتاج وتطور التقنيات. ويُعد هذا الانخفاض في التكلفة العامل الأهم في تحقيق هدف إنتاج الهيدروجين الأخضر بسعر يقل عن 2 دولار للكيلوغرام — وهو الحد الذي يجعله منافساً اقتصادياً للهيدروجين الرمادي والوقود الأحفوري في معظم التطبيقات.

“توطين تصنيع المحللات الكهربائية في الخليج ليس مجرد هدف صناعي — إنه ضرورة استراتيجية. فالدول التي تتحكم في سلسلة توريد الهيدروجين من المحلل الكهربائي إلى ناقلة الأمونيا ستهيمن على سوق الطاقة النظيفة العالمية في العقود القادمة.”
— تقرير IRENA حول تقنيات الهيدروجين

البنية التحتية للتصدير: ناقلات الأمونيا وممرات الطاقة الجديدة

لا يكتمل اقتصاد الهيدروجين الأخضر دون بنية تحتية متكاملة للتصدير تربط مراكز الإنتاج في الخليج بأسواق الاستهلاك في أوروبا وآسيا. ونظراً لصعوبة نقل الهيدروجين في شكله الغازي على مسافات طويلة، تتبنى دول الخليج استراتيجية تحويل الهيدروجين إلى أمونيا خضراء (NH₃) — وهي ناقل طاقة أكثر كثافة وأسهل في النقل والتخزين — لتصديره عبر ناقلات بحرية متخصصة.

تشمل البنية التحتية للتصدير قيد التطوير:

  • ميناء نيوم على البحر الأحمر: يُطوَّر ليكون أول ميناء تصدير مخصص للأمونيا الخضراء في المنطقة، مع مرافق تخزين بسعة مئات الآلاف من الأطنان وأرصفة مجهزة لاستقبال ناقلات الأمونيا العملاقة.
  • ميناء الدقم في عُمان: يُوسَّع ليستوعب تصدير الأمونيا الخضراء من مشاريع HyPort وغيرها، مع بنية تحتية لوجستية متكاملة.
  • ميناء الرويس في أبوظبي: تُطوّره مصدر وأدنوك كمركز لتصدير الهيدروجين منخفض الكربون إلى الأسواق الآسيوية.
  • ناقلات أمونيا متخصصة: تتعاون شركات خليجية مع أحواض بناء سفن عالمية لتصميم جيل جديد من ناقلات الأمونيا الخضراء بسعات تصل إلى 80,000 طن مصممة خصيصاً لتجارة الهيدروجين العابرة للقارات.
  • ممرات تصدير مخصصة: تُؤسس ممرات بحرية ثابتة تربط الخليج بموانئ رئيسية في روتردام (هولندا) وهامبورغ (ألمانيا) ويوكوهاما (اليابان) وبوسان (كوريا الجنوبية).

ووفقاً لتقديرات مجلس الهيدروجين العالمي، ستحتاج تجارة الهيدروجين العالمية إلى أسطول يضم أكثر من 2,000 ناقلة أمونيا بحلول 2050 لتلبية الطلب المتوقع. وتتمتع دول الخليج بميزة تنافسية كبيرة بفضل قربها الجغرافي من كل من الأسواق الأوروبية والآسيوية — حيث تبعد موانئ الخليج مسافة 10-15 يوماً بحراً عن أوروبا و7-12 يوماً عن شرق آسيا — مقارنة بمسافات أبعد بكثير من تشيلي وأستراليا إلى هذه الأسواق.

كما تستكشف شركة Air Products — الشريك الرئيسي في مشروع نيوم — إنشاء شبكة عالمية لاستيراد وتوزيع الأمونيا الخضراء تشمل محطات استقبال وتحويل في أوروبا وأمريكا الشمالية وآسيا، مما يخلق سلسلة توريد متكاملة من الإنتاج إلى الاستهلاك النهائي.

مسار التكلفة نحو 2 دولار للكيلوغرام: هل الهيدروجين الأخضر قابل للمنافسة؟

يُعد خفض تكلفة الإنتاج التحدي الأكبر الذي يواجه صناعة الهيدروجين الأخضر عالمياً. ففي عام 2020، كانت تكلفة إنتاج الكيلوغرام الواحد تتراوح بين 4 و8 دولارات، مقارنة بنحو 1-2 دولار للهيدروجين الرمادي المنتج من الغاز الطبيعي. لكن التطورات المتسارعة في التقنيات والحجم تُبشّر بتحقيق التكافؤ الاقتصادي في المستقبل القريب.

يتحدد مسار التكلفة بعدة عوامل رئيسية:

  1. تكلفة الكهرباء المتجددة: تُمثّل 60-70% من تكلفة إنتاج الهيدروجين الأخضر. وتتمتع دول الخليج بأرخص أسعار للطاقة الشمسية في العالم — أقل من 2 سنت أمريكي للكيلوواط ساعة في بعض المشاريع — مما يمنحها ميزة تنافسية حاسمة.
  2. تكلفة المحللات الكهربائية: انخفضت من نحو 1,500 دولار للكيلوواط في 2020 إلى أقل من 700 دولار في 2025، مع توقعات بوصولها إلى 200-300 دولار بحلول 2030.
  3. عامل الحمولة (Capacity Factor): كلما زادت ساعات تشغيل المحلل الكهربائي سنوياً، انخفضت تكلفة الإنتاج. وتتمتع مشاريع الخليج بعوامل حمولة مرتفعة تتجاوز 5,000-6,000 ساعة سنوياً بفضل الجمع بين الطاقة الشمسية والرياح.
  4. وفورات الحجم: كلما كبر حجم المشروع، انخفضت تكلفة الوحدة. ومشاريع الخليج العملاقة مثل نيوم تستفيد بشكل كبير من هذا العامل.

وأشار تقرير BloombergNEF إلى أن دول الخليج — وخاصة السعودية — قادرة على إنتاج الهيدروجين الأخضر بتكلفة تتراوح بين 1.5 و2.0 دولار للكيلوغرام بحلول 2030، وهي من أقل التكاليف عالمياً. وعند هذا المستوى السعري، يصبح الهيدروجين الأخضر منافساً مباشراً للهيدروجين الأزرق (المنتج من الغاز الطبيعي مع احتجاز الكربون) بل وأرخص منه في كثير من السيناريوهات.

كما يُضاف إلى المعادلة الاقتصادية عامل تسعير الكربون الذي يتصاعد في أوروبا وآسيا. فمع ارتفاع سعر طن ثاني أكسيد الكربون في نظام تداول الانبعاثات الأوروبي (EU ETS) إلى ما يتجاوز 80 يورو للطن، يصبح الهيدروجين الأخضر المنتج في الخليج أرخص بكثير من الهيدروجين الرمادي الأوروبي عند احتساب تكلفة الكربون، مما يخلق طلباً متزايداً على صادرات الخليج.

شهادات الهيدروجين والطلب الأوروبي والآسيوي: مفتاح الأسواق العالمية

لا يكفي إنتاج الهيدروجين الأخضر بكميات ضخمة وبتكلفة تنافسية — بل يجب إثبات أنه “أخضر” فعلاً عبر أنظمة شهادات دولية موثوقة. وتُعد هذه الشهادات شرطاً أساسياً للوصول إلى الأسواق الأوروبية والآسيوية التي تفرض معايير استدامة صارمة على واردات الهيدروجين.

تعمل دول الخليج على عدة محاور لتأمين شهادات هيدروجينها:

  • الامتثال لمعايير الاتحاد الأوروبي: يشترط قانون الطاقة المتجددة الأوروبي (RED III) أن يكون الهيدروجين المستورد مصحوباً بشهادة تُثبت أنه أُنتج بالكامل من مصادر متجددة مع “إضافية” (Additionality) — أي أن مشاريع الطاقة المتجددة المستخدمة أُنشئت خصيصاً لإنتاج الهيدروجين وليست مُحوّلة من الشبكة.
  • شهادات CertifHy: تعمل شركات خليجية على الحصول على شهادات CertifHy الأوروبية التي تُعد المعيار المرجعي في أسواق الاتحاد الأوروبي.
  • معايير آسيوية: تتعاون دول الخليج مع اليابان وكوريا الجنوبية لتطوير أنظمة شهادات متبادلة تسمح بتبادل الهيدروجين الأخضر المعتمد بين المنتجين والمستوردين.
  • تقنيات التتبع والبلوك تشين: تُستخدم تقنيات البلوك تشين والسجلات الرقمية لتتبع سلسلة قيمة الهيدروجين من الإنتاج إلى الاستهلاك وضمان نزاهة الشهادات.

ووفقاً لتقديرات وكالة الطاقة الدولية، من المتوقع أن يبلغ الطلب الأوروبي على الهيدروجين الأخضر نحو 20 مليون طن سنوياً بحلول 2030، في حين يُقدّر الطلب الآسيوي — بقيادة اليابان وكوريا الجنوبية والهند — بأكثر من 30 مليون طن. ومع عجز هذه الدول عن تلبية طلبها محلياً، تُمثّل دول الخليج المورّد الطبيعي بفضل قربها الجغرافي وتكلفة إنتاجها المنخفضة وبنيتها التحتية للتصدير.

وقد وقّعت السعودية والإمارات وعُمان اتفاقيات إطارية مع عدة دول أوروبية وآسيوية لتوريد الهيدروجين الأخضر، بما في ذلك اتفاقيات مع ألمانيا وهولندا وبلجيكا واليابان وكوريا الجنوبية، مما يُؤسس لـ ممرات تجارة هيدروجين جديدة تُعيد رسم خريطة تجارة الطاقة العالمية.

الهيدروجين الأزرق من الغاز الطبيعي: الجسر نحو الاقتصاد الأخضر

بينما يستحوذ الهيدروجين الأخضر على العناوين الرئيسية، تستثمر دول الخليج بكثافة أيضاً في الهيدروجين الأزرق — المنتج من الغاز الطبيعي عبر عملية إعادة تشكيل الميثان بالبخار (SMR) مع احتجاز الكربون وتخزينه (CCS). ويُعد الهيدروجين الأزرق حلاً انتقالياً يُمكّن المنطقة من دخول سوق الهيدروجين فوراً وبتكلفة أقل، مع التحول التدريجي نحو الأخضر مع انخفاض تكاليفه.

تتصدر أدنوك (ADNOC) الإماراتية وأرامكو السعودية استثمارات الهيدروجين الأزرق:

  • مشروع أدنوك للهيدروجين الأزرق: أعلنت أدنوك عن خطط لإنتاج مليون طن سنوياً من الهيدروجين الأزرق بحلول 2030، مع بنية تحتية لاحتجاز أكثر من 5 ملايين طن سنوياً من ثاني أكسيد الكربون.
  • مشاريع أرامكو: صدّرت أرامكو أول شحنة هيدروجين أزرق (في شكل أمونيا زرقاء) إلى اليابان في عام 2020، وتهدف لتصبح أكبر مورد للهيدروجين الأزرق في العالم.
  • تقنيات احتجاز الكربون: تستثمر الشركتان في تقنيات CCS المتقدمة مع تخزين الكربون في حقول النفط والغاز المستنفدة، مما يُخفض البصمة الكربونية للهيدروجين الأزرق إلى مستويات قريبة من الأخضر.

وأشار تقرير Reuters إلى أن الهيدروجين الأزرق يُنتج حالياً بتكلفة تتراوح بين 1.5 و3 دولارات للكيلوغرام في الخليج، وهي أقل بكثير من تكلفة الأخضر حالياً. لكن مع انخفاض تكاليف الهيدروجين الأخضر المتوقع، يُتوقع أن يتقلص الفارق ويختفي تدريجياً بحلول 2030-2035. ومع ذلك، يظل الهيدروجين الأزرق ضرورة استراتيجية لدول الخليج لعدة أسباب: فهو يُمكّنها من دخول السوق فوراً وبناء سلاسل توريد وعلاقات تجارية، كما أنه يُعظّم قيمة احتياطيات الغاز الطبيعي الخليجية في عصر تحول الطاقة.

“دول الخليج لا تراهن على لون واحد من الهيدروجين — بل تبني محفظة متنوعة تشمل الأخضر والأزرق وحتى التركواز. هذه المقاربة الشاملة تضمن لها الريادة في كل مراحل التحول، من اليوم وحتى 2050. المنطقة التي هيمنت على عصر النفط تتأهب الآن لقيادة عصر الهيدروجين.”
— تحليل McKinsey

المنافسة العالمية: الخليج في مواجهة تشيلي وأستراليا

لا يخوض الخليج سباق الهيدروجين الأخضر بمفرده — فهناك منافسون أقوياء يتسابقون للسيطرة على هذا السوق الناشئ. وتبرز تشيلي وأستراليا كأبرز المنافسين المباشرين لدول الخليج:

تشيلي:

  • تمتلك موارد طاقة رياح استثنائية في باتاغونيا وطاقة شمسية في صحراء أتاكاما.
  • أعلنت استراتيجية وطنية لإنتاج أرخص هيدروجين أخضر في العالم بحلول 2030.
  • نقطة الضعف: البعد الجغرافي الكبير عن أسواق أوروبا وآسيا يرفع تكاليف النقل بشكل ملحوظ.

أستراليا:

  • تتمتع بموارد شمسية ورياح هائلة ومساحات شاسعة غير مأهولة.
  • تقترب جغرافياً من أسواق اليابان وكوريا الجنوبية.
  • أعلنت عن استراتيجية وطنية للهيدروجين باستثمارات تتجاوز 10 مليارات دولار.
  • نقطة الضعف: البعد عن أوروبا وارتفاع تكاليف العمالة مقارنة بالخليج.

ووفقاً لتحليل مقارن أجراه BloombergNEF، تتمتع دول الخليج بعدة مزايا تنافسية حاسمة:

  1. تكلفة إنتاج أقل: بفضل أرخص أسعار للطاقة الشمسية عالمياً وتكاليف عمالة منخفضة نسبياً.
  2. موقع جغرافي مركزي: يتوسط أسواق أوروبا وآسيا، مما يُخفض تكاليف الشحن مقارنة بتشيلي وأستراليا.
  3. بنية تحتية قائمة: موانئ تصدير طاقة عالمية المستوى وخبرة عقود في تجارة الطاقة الدولية.
  4. رؤوس أموال ضخمة: صناديق سيادية بأصول تتجاوز 3 تريليونات دولار قادرة على تمويل مشاريع عملاقة.
  5. علاقات طاقوية راسخة: شراكات تجارية قائمة مع كبار مستوردي الطاقة يمكن تحويلها من النفط والغاز إلى الهيدروجين.

لكن المنافسة تتصاعد أيضاً من المغرب ومصر وناميبيا والهند، مما يُنذر بسوق هيدروجين عالمي شديد التنافسية حيث ستتحدد الحصص السوقية بناءً على تكلفة الإنتاج وموثوقية التوريد وشهادات الاستدامة والبنية التحتية اللوجستية.

الأثر الاقتصادي والمناخي: مستقبل الطاقة يُعاد كتابته من الخليج

يتجاوز تأثير ثورة الهيدروجين الخليجية حدود قطاع الطاقة ليُعيد تشكيل الاقتصادات الوطنية وخريطة المناخ العالمية على حد سواء. فمن الناحية الاقتصادية، تتوقع تقديرات مجلس الهيدروجين العالمي أن يخلق قطاع الهيدروجين أكثر من 30 مليون وظيفة عالمياً بحلول 2050، وتسعى دول الخليج للاستحواذ على حصة كبيرة من هذه الوظائف عبر توطين سلسلة القيمة.

تتعدد الأبعاد الاقتصادية والمناخية لهذا التحول:

  • تنويع الاقتصاد: يُوفر الهيدروجين الأخضر مصدر دخل ضخم بديل عن النفط يتوافق مع أهداف رؤية السعودية 2030 ورؤية عُمان 2040 ومئوية الإمارات 2071 في تنويع مصادر الدخل بعيداً عن النفط.
  • فرص عمل نوعية: يخلق القطاع آلاف الوظائف في مجالات الهندسة والتشغيل والصيانة والبحث والتطوير والخدمات اللوجستية.
  • خفض الانبعاثات: وفقاً لـ IRENA، يمكن للهيدروجين الأخضر خفض الانبعاثات العالمية بنحو 6 جيجاطن من ثاني أكسيد الكربون سنوياً بحلول 2050 — ما يُعادل نحو 20% من التخفيضات المطلوبة للوصول إلى الحياد الكربوني.
  • إزالة الكربون من القطاعات الصعبة: يُمكّن الهيدروجين من إزالة الكربون من قطاعات يصعب كهربتها مثل الصلب والإسمنت والشحن البحري والطيران والبتروكيماويات.
  • أمن الطاقة العالمي: يُسهم تنويع مصادر الهيدروجين في تعزيز أمن الطاقة لدول مستوردة مثل ألمانيا واليابان التي تسعى لتقليل اعتمادها على مصادر الطاقة المركزة جغرافياً.

ووفقاً لتقديرات McKinsey، يمكن أن تصل إيرادات دول الخليج من تصدير الهيدروجين إلى أكثر من 100 مليار دولار سنوياً بحلول 2050، مما يُعوّض جزءاً كبيراً من الإيرادات النفطية المتراجعة في عصر تحول الطاقة وتغير المناخ. وتُشير التوقعات إلى أن المنطقة قادرة على الاستحواذ على 15-25% من سوق الهيدروجين العالمي البالغة قيمته 500 مليار دولار، مما يُعيد إنتاج نموذج الهيمنة النفطية الخليجية في صورة جديدة ومستدامة.

في المحصلة، تقف دول الخليج العربي على أعتاب تحول تاريخي من عمالقة الهيدروكربونات إلى قادة عالميين في اقتصاد الهيدروجين. فمع مشاريع عملاقة كنيوم وHyPort الدقم ومصدر، واستثمارات تتجاوز 50 مليار دولار قيد التطوير، وهدف إنتاجي يتجاوز 10 ملايين طن سنوياً بحلول 2035، تُثبت المنطقة أنها لن تكتفي بمشاهدة تحول الطاقة العالمي من بعيد — بل ستقوده. والسؤال لم يعد ما إذا كان الخليج سينجح في الهيدروجين الأخضر، بل بأي حجم سيُهيمن على هذا السوق الذي يُعيد رسم مستقبل الطاقة والمناخ على كوكبنا.

إخلاء مسؤولية: هذا المقال لأغراض إعلامية وتحليلية فقط ولا يُعتبر نصيحة استثمارية أو مالية. المعلومات الواردة مبنية على مصادر عامة متاحة بما في ذلك تقارير مجلس الهيدروجين العالمي (Hydrogen Council) ووكالة الطاقة الدولية (IEA) والوكالة الدولية للطاقة المتجددة (IRENA) وBloombergNEF وReuters وMcKinsey وأكوا باور (ACWA Power) وAir Products، وقد لا تعكس أحدث التطورات. يُرجى الرجوع إلى المصادر الرسمية للحصول على أحدث البيانات. لا يتحمل موقع The Middle East Insider أي مسؤولية عن أي قرارات تُتخذ بناءً على المعلومات الواردة في هذا المقال.