مفارقة السلام: حين ينجو التطبيع من الحرب لكنه لا ينجو من العدالة
في سبتمبر 2020، أُعلنت اتفاقيات أبراهام بنوع الاحتفال المخصص للحظات التي تدّعي تغيير التاريخ. الإمارات العربية المتحدة والبحرين ولاحقاً المغرب والسودان وقّعت اتفاقيات تطبيع مع إسرائيل، بوساطة الولايات المتحدة، فيما قُدّم على أنه فجر شرق أوسط جديد. النموذج القديم — لا سلام مع إسرائيل بدون دولة فلسطينية — أُعلن عفا عليه الزمن. عصر جديد من الدبلوماسية البراغماتية القائمة على المصالح قد وصل.
بعد ستة أعوام، في أبريل 2026، تروي اتفاقيات أبراهام قصة أكثر تعقيداً بكثير. نجت من حرب إقليمية مع إيران، ومن أشد اعتداء مدمّر على غزة في التاريخ الحديث، ومن تحوّل عالمي في الرأي العام جعل “التطبيع” كلمة سامة سياسياً في معظم أنحاء العالم العربي. أجزاء من الاتفاقيات تزدهر تجارياً. أجزاء أخرى بالكاد تتنفس. والسؤال الجوهري الذي صُمّمت لتجاوزه — فلسطين — عاد بقوة لا يمكن لأي قدر من الاتفاقيات التجارية قمعها.
هذا هو التقييم الصادق. ليس النسخة التي تروّجها مراكز أبحاث واشنطن أو شركات العلاقات العامة في تل أبيب، بل النظرة من المنطقة نفسها — من شوارع المنامة وقاعات التداول في أبوظبي والممرات الدبلوماسية في الرياض ومخيمات اللاجئين في غزة حيث تُقاس كلفة “السلام” بلا عدالة بأرواح بشرية.
الوعد الأصلي: ما كان من المفترض أن تحققه اتفاقيات أبراهام
لفهم موقف الاتفاقيات في 2026، يجب أن نكون صادقين أولاً حول ما كانت وما لم تكن. اتفاقيات أبراهام كانت في جوهرها ترتيباً تبادلياً بثلاثة أهداف رئيسية:
- للإمارات والبحرين: الوصول إلى التكنولوجيا الإسرائيلية، ومشاركة الاستخبارات ضد إيران، ونيل رضا إدارة ترامب (بما في ذلك مقاتلات F-35 للإمارات)
- لإسرائيل: الشرعية الدبلوماسية في العالم العربي دون تقديم أي تنازل بشأن الدولة الفلسطينية
- للولايات المتحدة: “انتصار” في السياسة الخارجية يمكن تسويقه داخلياً، بالإضافة إلى أساس لتحالف إقليمي مناهض لإيران
لاحظوا ما هو غائب عن هذه القائمة: الفلسطينيون. اتفاقيات أبراهام لم تكتفِ بتهميش القضية الفلسطينية — بل صُمّمت صراحة لإثبات أنه يمكن تجاوزها بالكامل. كما صرّح جاريد كوشنر، مهندس الاتفاقيات، آنذاك، فإن الصفقات ستخلق ازدهاراً اقتصادياً كافياً ليقبل الفلسطينيون في النهاية أي شروط تُعرض عليهم.
هذه كانت النظرية. واقع 2026 اختبرها حتى لم تعد قابلة للتعرف عليها.
عامل حرب إيران: كيف أعاد النزاع الإقليمي تشكيل الاتفاقيات
المواجهة المتصاعدة بين إسرائيل وإيران — التي انتقلت من حرب الظلال إلى تبادلات عسكرية مفتوحة بين 2024 و2025 — غيّرت جوهرياً ديناميكيات اتفاقيات أبراهام بطرق لم يتوقعها المؤيدون ولا المنتقدون.
البُعد الأمني: التعاون في الظلال
خلف الأبواب المغلقة، سرّع النزاع مع إيران التعاون الأمني بين إسرائيل والإمارات. تبادل المعلومات الاستخباراتية عن القدرات العسكرية الإيرانية، والتنسيق المشترك للدفاع الجوي خلال التهديدات الصاروخية، ونقل التكنولوجيا في مجالات مثل كشف الطائرات المسيّرة والحرب السيبرانية — كلها زادت خلال أشد مراحل النزاع حدة.
وفقاً لمحللي الدفاع الإقليميين، أجرت الإمارات وإسرائيل على الأقل ثلاثة تمارين عسكرية مشتركة بين 2024 و2025، رغم أن أياً من الحكومتين لم تؤكدها رسمياً. البنية الأمنية لاتفاقيات أبراهام — التي كانت دائماً المكوّن الأكثر جوهرية — أثبتت أنها أكثر صموداً من واجهتها الدبلوماسية.
لكن البحرين روت قصة مختلفة. الواقعة على الضفة المقابلة لإيران والمستضيفة للأسطول الأمريكي الخامس، وجدت البحرين نفسها في وضع مستحيل. تطبيعها مع إسرائيل جعلها هدفاً محتملاً لمجموعات متحالفة مع إيران، بينما أغلبيتها الشيعية تحمل تعاطفاً عميقاً مع إيران والقضية الفلسطينية معاً. النتيجة كانت انسحاباً هادئاً لكن ملموساً من التعاون المرئي مع إسرائيل — تراجع استراتيجي حافظ على الاتفاق الرسمي بينما أفرغه من المحتوى العملي.
ردة الفعل الشعبية: الشوارع مقابل القصور
النزاع مع إيران، مقترناً بأزمة غزة المستمرة، أطلق موجة من الغضب الشعبي عبر العالم العربي لا يمكن لأي اتفاقية تطبيع أن تصمد أمامها. وفقاً لاستطلاعات الباروميتر العربي التي أُجريت في أواخر 2025، تجاوزت معارضة التطبيع مع إسرائيل 85% في كل دولة عربية شملها الاستطلاع، بما في ذلك الإمارات والبحرين.
هذا مهم للغاية. بينما وُقّعت اتفاقيات أبراهام من قبل حكومات لا شعوب، فإن الفجوة بين السياسة الرسمية والمشاعر الشعبية تخلق عدم استقرار هيكلي يحدّ من مدى التطبيع. المواطنون الإماراتيون والبحرينيون لم يصوّتوا على هذه الاتفاقيات، والاستطلاعات تُظهر باستمرار أنهم لا يدعمونها — خاصة في سياق ما يرونه يحدث في فلسطين.
البُعد الرقمي ضخّم هذا الانفصال. خلال أشد مراحل أزمة غزة، كانت وسائل التواصل الاجتماعي العربية مؤيدة بشكل ساحق لفلسطين، مع تعرّض المحتوى المتعلق بالتطبيع لردود فعل عنيفة. الشركات في الإمارات والبحرين التي بدت مرتبطة بشكل وثيق بشركاء إسرائيليين واجهت حملات مقاطعة أظهرت، وإن لم تنجح دائماً، المخاطر التجارية للتطبيع المرئي.
العلاقات الإماراتية الإسرائيلية: الجوهر التجاري صامد
من بين جميع الموقّعين على اتفاقيات أبراهام، تبقى العلاقة الإماراتية الإسرائيلية الأكثر جوهرية والأكثر تعقيداً. إنها في آنٍ واحد قصة نجاح تجارية وصداع دبلوماسي — تزدهر في غرف الاجتماعات بينما تكافح في الخطاب العام.
التجارة والاستثمار: الأرقام
بلغت التجارة الثنائية بين الإمارات وإسرائيل حوالي 3.2 مليار دولار في 2025، وفقاً لتقديرات وزارتي التجارة في البلدين. القطاعات الرئيسية تشمل:
- التكنولوجيا: شركات الأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي الإسرائيلية أسست عمليات كبيرة في أبوظبي ودبي
- المالية: التعاون المصرفي العابر للحدود والتكنولوجيا المالية مستمر، وإن بأقل ظهور علني
- الألماس: تجارة الألماس بين دبي وتل أبيب أصبحت قناة تجارية مهمة
- الزراعة وتكنولوجيا المياه: شركات التكنولوجيا الزراعية الإسرائيلية نشطة في مشاريع إماراتية
لكن البُعد السياحي — الذي كان الرمز الأكثر وضوحاً للتطبيع — تراجع بشكل كبير. انخفض عدد السياح الإسرائيليين في الإمارات من ذروة بلغت حوالي 350,000 في 2022 إلى ما يُقدّر بـ180,000 في 2025، مما يعكس مخاوف أمنية وبرودة عامة في العلاقات العلنية.
التباعد الهادئ
الأبرز في العلاقات الإماراتية الإسرائيلية في 2026 ليس ما يحدث، بل ما لا يحدث. الرؤى الكبرى التي صيغت في 2020 — حملات سياحية مشتركة، تبادلات ثقافية، شراكات جامعية، مشاريع بنية تحتية مشتركة — فشلت إلى حد كبير في التحقق أو أُجّلت بهدوء.
تبنّت الحكومة الإماراتية استراتيجية “التطبيع بلا احتفال” — الحفاظ على الروابط التجارية والأمنية مع تجنب أي موقف علني قد يُفسَّر كتأييد للسياسات الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين. يعكس هذا النهج قراءة متطورة للسياسة الإقليمية: الإمارات تريد فوائد العلاقة دون دفع التكاليف السمعوية.
هل هذا التوازن مستدام يبقى السؤال المحوري. موقف الإمارات يتطلب أساساً أن يبقى الصراع الإسرائيلي الفلسطيني عند شدة يمكن إدارتها — سيء بما يكفي ليتطلب حذراً دبلوماسياً، لكن ليس كارثياً بما يفرض قطيعة. أحداث 2023-2025 اختبرت هذا الحساب مراراً.
البحرين: الحلقة الأضعف
كانت مشاركة البحرين في اتفاقيات أبراهام دائماً الأكثر هشاشة، وأحداث 2024-2025 دفعتها إلى أقصى حدودها.
الضغط الداخلي
عائلة آل خليفة الحاكمة تحكم بلداً حيث الأغلبية الشيعية مُهمّشة تاريخياً من السلطة السياسية. هذا الواقع الديموغرافي يعني أن التطبيع مع إسرائيل — المُعتبرة عدواً على نطاق واسع من قبل المجتمع الشيعي البحريني — لم يكن ليحقق شرعية شعبية أبداً.
النزاع مع إيران كثّف هذه الديناميكيات. للمواطنين الشيعة البحرينيين، مشهد حكومتهم تحافظ على علاقات مع إسرائيل بينما إيران — التي ينظر إليها كثيرون كحامية للمصالح الشيعية — تتعرض للهجوم خلق وضعاً غير مريح للغاية. الاحتجاجات في الشوارع، وإن قُمعت، تكررت طوال 2024 و2025.
استدعاء السفير وتداعياته
استدعت البحرين سفيرها من إسرائيل في نوفمبر 2023 خلال أزمة غزة الأولى — خطوة كان المقصود منها أن تكون مؤقتة لكنها أصبحت شبه دائمة. حتى أبريل 2026، لم ترسل البحرين سفيراً جديداً إلى إسرائيل، واختُصرت الاتصالات الدبلوماسية إلى الحد الأدنى.
البرلمان البحريني، رغم أنه استشاري إلى حد كبير، أصدر قرارات متعددة تدعو لتعليق اتفاقية التطبيع. بينما لم تمتثل الحكومة رسمياً، تعكس هذه القرارات عمق المعارضة الشعبية التي تقيّد خيارات المنامة.
ما تبقى
عملياً، التطبيع البحريني الإسرائيلي في 2026 موجود بشكل أساسي على الورق. لا توجد تدفقات تجارية ثنائية مهمة، والسياحة ضئيلة، والتبادلات الثقافية مُعلّقة. الاتفاقية الرسمية تبقى سارية تقنياً، لكنها تعمل أكثر كـعنصر نائب دبلوماسي من علاقة حية — شيء يمكن إعادة تنشيطه إذا تغيرت الظروف لكنه لا يولّد أي نشاط ذي معنى في حالته الراهنة.
السعودية: الصفقة التي لم تحدث
أهم قصة في اتفاقيات أبراهام لعام 2026 هي التي لم تحدث: التطبيع السعودي مع إسرائيل.
الزخم قبل الحرب
في صيف 2023، بدا التطبيع السعودي الإسرائيلي على وشك الاكتمال. إدارة بايدن كانت تتوسط بنشاط في صفقة تضمنت اعتراف سعودي بإسرائيل مقابل معاهدة دفاع أمريكية، ووصول إلى تكنولوجيا نووية مدنية، والتزام بالدولة الفلسطينية. الصفقة الضخمة وُصفت بأنها الإنجاز الأكبر لسياسة بايدن في الشرق الأوسط.
ثم جاء 7 أكتوبر 2023، وتغيّر كل شيء.
الشروط التي لا يمكن تلبيتها
موقف السعودية، الذي عبّر عنه مراراً ولي العهد الأمير محمد بن سلمان ووزير الخارجية الأمير فيصل بن فرحان، بقي ثابتاً: التطبيع يتطلب “تقدماً لا رجعة فيه نحو الدولة الفلسطينية”. هذا ليس مجرد موقف خطابي — إنه يعكس حساباً حقيقياً بأن الشعب السعودي، والعالم الإسلامي الأوسع الذي تدّعي السعودية القيادة الدينية عليه، لن يقبل التطبيع بدون عدالة للفلسطينيين.
حتى أبريل 2026، شروط التطبيع السعودي أبعد عن التحقق من أي وقت منذ توقيع اتفاقيات أبراهام:
- غزة لا تزال تواجه أوضاعاً مدمّرة بلا مسار واضح لإعادة الإعمار أو الحوكمة
- التوسع الاستيطاني في الضفة الغربية تسارع، بلغ مستويات قياسية في 2025
- لا يوجد إطار موثوق لدولة فلسطينية
- معاهدة الدفاع الأمريكية التي طالبت بها السعودية تواجه معارضة في الكونغرس
- الرأي العام عبر العالم الإسلامي يجعل التطبيع ساماً سياسياً
الصبر الاستراتيجي
ما يجعل نهج السعودية متطوراً هو أنها نجحت في استخلاص فوائد من عملية التطبيع دون التطبيع فعلاً. مجرد احتمال التطبيع السعودي الإسرائيلي منح الرياض نفوذاً هائلاً مع واشنطن، أسفر عن صفقات أسلحة موسّعة وتعاون دفاعي وشراكات اقتصادية ربما لم تكن لتتحقق بدون جزرة التطبيع.
حافظت السعودية أيضاً على مصداقيتها في العالم العربي والإسلامي بالتمسك بشرط فلسطين. بينما تلقّت الإمارات ضرراً سمعوياً لتطبيعها قبل معالجة القضايا الفلسطينية، وضعت السعودية نفسها كالفاعل المسؤول — مستعدة للتفاعل لكن ليس على حساب المبدأ.
هذا يمكن القول إنه النتيجة الأكثر نجاحاً استراتيجياً في حقبة اتفاقيات أبراهام — وينتمي للدولة التي لم توقّع.
فلسطين: الشبح على مائدة الاحتفال
أي تقييم صادق لاتفاقيات أبراهام يجب أن يضع فلسطين في المركز، لأن فلسطين هي السبب في فشل الاتفاقيات في تحقيق أهدافها الأوسع.
الحساب الخاطئ الجوهري
مهندسو اتفاقيات أبراهام اعتقدوا أنه بإظهار الفوائد الاقتصادية للتطبيع، يمكنهم خلق زخم كافٍ لجعل القضية الفلسطينية غير ذات صلة. كان هذا حساباً خاطئاً كارثياً يكشف عن سوء فهم جوهري للمشاعر العربية والإسلامية.
القضية الفلسطينية ليست مجرد قضية سياسية في العالم العربي — إنها مسألة أخلاقية وهوياتية تتجاوز سياسة الحكومات. لا يمكن لأي قدر من عائدات التجارة أو نقل التكنولوجيا أن يعوّض ما يراه مئات الملايين من العرب تهجيراً مستمراً لشعب. أحداث ما بعد أكتوبر 2023 عززت هذا بوضوح لا يمكن تجاهله.
الكلفة البشرية
بينما يركز هذا المقال على التحليل الدبلوماسي والاقتصادي، سيكون من غير الأمانة مناقشة اتفاقيات أبراهام دون الإقرار بما يحدث على الأرض في فلسطين. الوضع الإنساني في غزة — مع النزوح الجماعي وتدمير البنية التحتية والضحايا المدنيين — ليس تجريداً بالنسبة للعالم العربي. إنه واقع معاش يشكّل كل حوار حول التطبيع.
بالنسبة لـذا ميدل إيست إنسايدر، موقفنا واضح: الوقوف مع فلسطين ليس عن السياسة. إنه عن المبدأ الأساسي أنه لا يمكن اعتبار أي إطار دبلوماسي ناجحاً إذا بُني على إنكار حقوق الإنسان الأساسية. اتفاقيات أبراهام، مهما كانت مزاياها التجارية، لم ولا يمكنها معالجة هذه القضية التأسيسية.
ما يريده الفلسطينيون
يجدر التنبيه إلى ما يغيب باستمرار عن مناقشات اتفاقيات أبراهام: الأصوات الفلسطينية. لم يُستشَر الفلسطينيون حول الاتفاقيات، ولم يُمثَّلوا، ولم يُؤخذوا بالاعتبار إلا كعقبة يجب إدارتها. الوعد بأن التطبيع سيفيد الفلسطينيين في النهاية من خلال الأثر الاقتصادي والضغط الدبلوماسي على إسرائيل ثبت أنه أجوف.
المجتمع المدني الفلسطيني والمؤسسات الأكاديمية والمنظمات السياسية كانت منتقدة بشكل ساحق لاتفاقيات أبراهام، معتبرة إياها آلية لشرعنة الاحتلال دون معالجة أسبابه. هذا المنظور يستحق أن يُوضع في المركز لا في الهامش في أي تقييم لإرث الاتفاقيات.
المغرب والسودان: اللاعبون الهامشيون
المغرب: استمرارية هادئة
تطبيع المغرب مع إسرائيل كان دائماً يتعلق بشيء واحد أساساً: الاعتراف الأمريكي بالسيادة المغربية على الصحراء الغربية. ذلك الاعتراف، الذي منحته إدارة ترامب في 2020 وحافظت عليه الإدارات اللاحقة، أعطى المغرب ما يريده قبل أن يجف الحبر.
نتيجة لذلك، المغرب لديه أقل اهتمام بتعميق أو التخلي عن علاقته بإسرائيل. التجارة الثنائية تبقى متواضعة بحوالي 500 مليون دولار سنوياً، مركزة أساساً في الزراعة والتكنولوجيا والسياحة. الرأي العام المغربي مؤيد لفلسطين بشكل عام، لكن قبضة الملكية القوية على السياسة الخارجية تعزل التطبيع عن الضغط الداخلي بفعالية أكبر مما في البحرين.
العلاقة الإسرائيلية المغربية في 2026 توصف أفضل بأنها وظيفية لكن منخفضة المستوى — ترتيب عملي يحافظ عليه الطرفان بلا حماس.
السودان: معلّق فعلياً
مشاركة السودان في اتفاقيات أبراهام معلّقة فعلياً منذ اندلاع الحرب الأهلية في أبريل 2023. البلاد مستهلكة بنزاع داخلي مدمّر بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، بلا حكومة فاعلة قادرة على الحفاظ على الاتفاقيات الدولية.
أياً كان التطبيع الذي وُجد بين السودان وإسرائيل — والذي كان دائماً ضئيلاً وتبادلياً إلى حد كبير (مرتبطاً بإزالة السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب) — فهو الآن غير ذي صلة ببلد يواجه فيه الملايين النزوح والمجاعة. مشاركة السودان في اتفاقيات أبراهام هي، لكل الأغراض العملية، حبر على ورق.
الأثر الدائم لحرب إيران على الدبلوماسية الإقليمية
النزاع مع إيران أعاد تشكيل اتفاقيات أبراهام ليس فقط من خلال التأثيرات العسكرية المباشرة، بل بتحويل المشهد الدبلوماسي الإقليمي الأوسع.
نهاية وهم التحالف المناهض لإيران
إحدى نقاط البيع الأصلية لاتفاقيات أبراهام كانت أنها ستشكّل أساس تحالف عربي إسرائيلي ضد إيران. هذه الرؤية، التي روّج لها بقوة مسؤولو نتنياهو وإدارة ترامب، افترضت أن إدراك التهديد المشترك سيتغلب على القضية الفلسطينية.
الواقع كان أكثر تعقيداً. حين تصاعد النزاع مع إيران في 2024-2025:
- الإمارات أعطت الأولوية لحساباتها الأمنية الخاصة على التزامات التحالف، محافظة على قنوات خلفية مع طهران حتى أثناء التعاون مع إسرائيل
- قرب البحرين من إيران جعلها أكثر حذراً لا أكثر عدوانية بشأن روابطها الإسرائيلية
- السعودية استخدمت الأزمة لتعزيز إصرارها على حل القضية الفلسطينية قبل أي تطبيع
- دول الخليج مجتمعة أظهرت أنها ستدير علاقتها مع إيران باستقلالية، لا كشركاء صغار في تحالف بقيادة إسرائيلية
التحالف المناهض لإيران الذي كان من المفترض أن يكون العائد الأمني لاتفاقيات أبراهام لم يتحقق بالشكل الذي تخيّله مهندسوه. دول الخليج تعاونت مع إسرائيل في مسائل أمنية محددة، لكنها تعاونت أيضاً مع إيران في قضايا اقتصادية، وأوضحت أن كونها مؤيدة لإسرائيل ومعادية لإيران ليست صفقة شاملة تهتم بشرائها.
العامل الصيني
تطور لم يحظَ باهتمام كافٍ في تحليلات اتفاقيات أبراهام هو الدور المتنامي للصين كوسيط شرق أوسطي. رعاية الصين للمقاربة السعودية الإيرانية في مارس 2023 أثبتت أن الولايات المتحدة لم تعد القوة الوحيدة القادرة على تشكيل الدبلوماسية الإقليمية.
لهذا آثار مباشرة على اتفاقيات أبراهام. الاتفاقيات كانت جوهرياً إطاراً بوساطة أمريكية، معتمداً على النفوذ والضمانات الأمريكية. مع نمو التأثير الصيني الإقليمي وتنويع دول الخليج لشراكاتها الاستراتيجية، تصبح البنية المتمحورة حول أمريكا أقل صلة.
الحصيلة الاقتصادية: الرابحون والخاسرون
من استفاد
المستفيدون الاقتصاديون الرئيسيون من اتفاقيات أبراهام كانوا:
- شركات التكنولوجيا الإسرائيلية: الوصول إلى رأس المال الخليجي ومحور دبي للتوسع الإقليمي كان قيّماً فعلاً
- الخدمات المالية الإماراتية: جذب التكنولوجيا المالية الإسرائيلية وتأسيس علاقات مصرفية عابرة للحدود عزز مكانتي دبي وأبوظبي كمراكز مالية
- مقاولو الدفاع: استفادت شركات الدفاع الإسرائيلية والغربية من التعاون الأمني المتزايد
- العقارات: الاستثمار الإسرائيلي في عقارات دبي كان تدفقاً رأسمالياً جديداً ملحوظاً وإن متواضعاً
من خسر
الخاسرون الاقتصاديون أقل نقاشاً لكن بنفس الأهمية:
- العمال والشركات الفلسطينية: الاتفاقيات لم تفعل شيئاً لمعالجة الخنق الاقتصادي للأراضي الفلسطينية
- الشركات البحرينية: الشركات التي استثمرت في شراكات إسرائيلية واجهت ضغط مقاطعة وانخفاض إيرادات
- السياحة الإقليمية: وعد السياحة الإقليمية المتكاملة لم يتحقق بسبب التعقيدات السياسية
التقييم الاقتصادي الإجمالي هو أن اتفاقيات أبراهام ولّدت قيمة اقتصادية حقيقية لكن محدودة، مركزة أساساً في محور الإمارات-إسرائيل. التكامل الاقتصادي الإقليمي التحويلي الذي وُعد به لا يزال إسقاطاً لا واقعاً.
ما القادم: سيناريوهات 2026-2028
السيناريو الأول: استمرار التفكك (الأرجح)
المسار الأكثر احتمالاً هو استمرار التفكك، حيث تسلك كل علاقة في اتفاقيات أبراهام مسارها الخاص:
- الإمارات-إسرائيل: نشطة تجارياً، حذرة دبلوماسياً
- البحرين-إسرائيل: محفوظة رسمياً، خاملة عملياً
- المغرب-إسرائيل: استمرارية منخفضة المستوى
- السودان-إسرائيل: معلّقة لأجل غير مسمى
- السعودية: لا تطبيع بدون دولة فلسطينية
السيناريو الثاني: التوسع عبر تقدم فلسطيني (غير مرجح لكن ممكن)
إذا ظهر إطار موثوق للدولة الفلسطينية — ربما من خلال ضغط دولي متجدد أو تغيير في الحكومة الإسرائيلية — يمكن نظرياً للاتفاقيات أن تتوسع. التطبيع السعودي سيصبح ممكناً. لكن هذا السيناريو يتطلب تغييرات سياسية ليست في الأفق حالياً.
السيناريو الثالث: الانهيار الرسمي (غير مرجح لكن ليس مستحيلاً)
تصعيد كبير — مثل ضم إسرائيلي لأجزاء من الضفة الغربية أو عملية مدمرة أخرى في غزة — قد يجبر واحداً أو أكثر من الموقّعين على الانسحاب رسمياً. البحرين هي المرشح الأرجح لهذا السيناريو.
دروس للمنطقة
تجربة اتفاقيات أبراهام تقدم عدة دروس حاسمة للدبلوماسية الشرق أوسطية:
1. لا يمكنك شراء مخرج من قضية عدالة
الدرس الأساسي هو أن الحوافز الاقتصادية لا يمكن أن تحل محل معالجة المظالم المشروعة. القضية الفلسطينية مستمرة ليس بسبب عدم كفاية التعاون الاقتصادي، بل بسبب ظلم لم يُحلّ.
2. الرأي العام مهم — حتى في الدول الاستبدادية
افتراض أن الحكومات الخليجية يمكنها التطبيع مع إسرائيل بدون دعم شعبي ثبت خطأه. الاتفاقيات أظهرت أنه حتى في الدول ذات المشاركة الديمقراطية المحدودة، المشاعر الشعبية تقيّد السياسة الخارجية.
3. التعاون الأمني لا يتطلب التطبيع
من مفارقات اتفاقيات أبراهام أن التعاون الأمني الذي رسّمته كان يحدث أصلاً عبر قنوات غير رسمية. أضافت الاتفاقيات طبقة دبلوماسية خلقت مشاكل بقدر ما حلّت.
4. للوساطة الأمريكية حدود
أظهرت الاتفاقيات قوة وحدود الوساطة الأمريكية. الولايات المتحدة استطاعت جلب الأطراف إلى الطاولة، لكنها لم تستطع ضمان صمود الاتفاقيات الناتجة أمام الضغوط الإقليمية.
النظرة من فلسطين
نختم حيث يجب أن ينتهي أي تحليل صادق لاتفاقيات أبراهام: مع فلسطين.
الشعب الفلسطيني لم يطلب اتفاقيات أبراهام. لم يُستشار ولم يُمثَّل ولم يُؤخذ بعين الاعتبار إلا كعقبة يجب إدارتها. الوعد بأن التطبيع سيفيد الفلسطينيين في النهاية ثبت أنه أجوف.
في أبريل 2026، يواجه الفلسطينيون في غزة احتياجات إعادة إعمار تقدّرها الأمم المتحدة بأكثر من 50 مليار دولار. الفلسطينيون في الضفة الغربية يواجهون استمرار التوسع الاستيطاني والاقتحامات العسكرية وإهانات الاحتلال اليومية. الفلسطينيون في القدس يواجهون التهجير المستمر والقيود على العبادة في المسجد الأقصى.
لم تعالج اتفاقيات أبراهام أياً من هذا. الاتفاقيات صُمّمت للعمل حول فلسطين لا من أجلها — وهذا العيب التصميمي الجوهري هو سبب عدم تحقيقها للسلام الإقليمي الذي وعدت به.
ذا ميدل إيست إنسايدر يقف بثبات مع حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير والسيادة والعدالة. أي إطار دبلوماسي لا يضع هذه الحقوق في المركز ليس اتفاقية سلام — إنه ترتيب تجاري يرتدي لباساً دبلوماسياً.
الخاتمة: الإرث الحقيقي للاتفاقيات
اتفاقيات أبراهام في 2026 ليست الاختراق التاريخي الذي ادّعاه مؤيدوها ولا الفشل الكامل الذي توقعه منتقدوها. إنها شيء أكثر تثقيفاً: تجربة جزئية ومتفككة ومتنازع عليها بشدة حول ما إذا كان يمكن إعادة تنظيم الشرق الأوسط حول المصالح التجارية بدلاً من مبادئ العدالة.
الجواب، بعد ستة أعوام، هو: جزئياً، مؤقتاً، وبكلفة أخلاقية كبيرة.
العلاقة التجارية الإماراتية الإسرائيلية ستصمد على الأرجح لأنها تخدم مصالح اقتصادية حقيقية لكلا الجانبين. لكن الرؤية الأوسع لاتفاقيات أبراهام — شرق أوسط جديد ينتشر فيه التطبيع عبر العالم العربي، وتتلاشى فيه القضية الفلسطينية إلى عدم الصلة، ويحتوي فيه تحالف عربي إسرائيلي إيران — تلك الرؤية ماتت فعلياً.
ما قتلها لم يكن حرب إيران، رغم مساهمتها. ما قتلها كان الواقع المستمر والذي لا يمكن إنكاره والمرئي بشكل متزايد أنه لا يمكن بناء سلام دائم على أساس من الظلم. نضال الشعب الفلسطيني من أجل الحرية والكرامة ليس قضية جانبية يمكن التفاوض عليها — إنه السؤال الأخلاقي المركزي للشرق الأوسط الحديث، وأي إطار دبلوماسي يتجاهله سيفشل في النهاية.
أثبتت اتفاقيات أبراهام أن الحكومات العربية يمكنها التطبيع مع إسرائيل. ما لم تستطع إثباته — وما سيستمر العقد القادم من الدبلوماسية الشرق أوسطية في اختباره — هو ما إذا كان التطبيع بلا عدالة يمكن أن ينجو من حكم التاريخ.
