بيروت، 28 أبريل 2026. دخلت الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران أسبوعها الثامن دون أي وقف لإطلاق النار في الأفق، ودون سقف منظور للتصعيد، وفيما تُعاد رسم الخريطة السياسية للشرق الأوسط بسرعة لم يشهدها أي صراع منذ جيل. مساء الثلاثاء عبر المنطقة، تضرب طائرات أمريكية تنطلق من حاملات الطائرات أهدافاً في وسط وشمال إيران، وتسقط صواريخ بالستية إيرانية في قواعد جوية إسرائيلية ومراكز سكنية، ويُطلق حزب الله النيران على شمال إسرائيل من تلال جنوب لبنان، وقد استأنفت ميليشيا الحوثيين في اليمن هجماتها على الملاحة التجارية في البحر الأحمر. مضيق هرمز مُغلق فعلياً: تحرّك يوم الاثنين عبر هذا الممرّ الحيوي 2 مليون برميل من النفط الخام مقابل خط أساس قبل الحرب يبلغ نحو 20 مليون برميل، أي تراجع بنسبة 90 بالمئة دفع برنت من 99 دولاراً للبرميل قبل شهرين إلى 117 دولاراً عند تسوية نيويورك يوم الثلاثاء.
هذه ورقة عمل عن ما يحدث، وما نعرفه، وما لا نعرفه، كُتبت من داخل الحوض الصحفي الإقليمي في بيروت وتل أبيب والرياض وقُورنت بالتقارير اليومية لـرويترز وبلومبرغ وفاينانشال تايمز والجزيرة ووول ستريت جورنال ومجتمع الاستخبارات مفتوحة المصدر على المنصّات التي تُتابع الصراع لحظةً بلحظة. الأرقام في هذه الورقة ستتغيّر. أمّا بنية الحرب نهاية أبريل، فلن تتغيّر.
الصورة العملياتية: ثمانية أسابيع من الضربات
افتُتحت المرحلة الحركية في 4 مارس 2026 بحملة جوية أمريكية إسرائيلية مُنسَّقة استهدفت تسعة عشر مجموعةً من الأهداف في إيران خلال 36 ساعةً الأولى. وكان التخطيط ما قبل الحرب قد ركّز على ثلاث فئات هدفية: البنية النووية في نطنز وفوردو وأصفهان وآراك ومجمّع جبل بيك آكس؛ ومواقع إنتاج وإطلاق الصواريخ الباليستية في خرّم آباد وبيدغانه ومجمّع خجير خارج طهران؛ وعُقد القيادة والسيطرة بما فيها مقارّ الحرس الثوري ومراكز تنسيق فيلق القدس. ولم يسبق أن شُوهد حجم الموجات الافتتاحية على السجلّ العملياتي منذ غزو العراق عام 2003.
طار سلاح الجوّ الإسرائيلي بمعظم الموجات الافتتاحية بطائرات إف-35 آي “أدير” وإف-15 آي “رعم” تتزوّد جوّاً عبر صهاريج كي سي-135 تعمل من قبرص وممرّات سعودية مُخوَّلة. أمّا المساهمة الأمريكية فجاءت أساساً عبر قاذفات بي-2 سبيريت الشبحية المُرابطة في دييغو غارسيا حاملةً أسلحة جي بي يو-57 الخارقة الضخمة المُصمَّمة للأهداف المُحصَّنة تحت الأرض، ومن مجموعة الضربة المُرابطة حول حاملة الطائرات يو إس إس جيرالد آر فورد التي أُعيد نقلها من البحر المتوسط إلى حوض شرق المتوسط. تحرّكت الحاملة أقرب من الساحل اللبناني في منتصف مارس وبقيت هناك منذ ذلك الحين. وتحفظ مجموعة ضربة ثانية مبنية حول حاملة دوايت آيزنهاور موقعها في بحر العرب منذ بداية مارس.
كانت الضربات شبه يومية طوال أبريل. ويُسجّل التتبّع مفتوح المصدر الذي جمّعه مكتب الدفاع في بلومبرغ 287 حدثاً ضربياً مؤكَّداً للتحالف حتى 27 أبريل، بإيقاع منتظم بين 6 و12 ضربة يومياً. وقد تحوّل مزيج الأهداف بمرور الوقت: ركّزت الموجات الافتتاحية على البنية النووية والصاروخية، فيما أعادت عمليات أبريل الموازنة نحو الدفاعات الجوية الإيرانية ومقارّ الحرس الثوري وسلسلة الإمداد التي تُغذّي حزب الله من غرب إيران عبر العراق وسوريا. التحوّل يُشير إلى حرب أطول.
الردّ الإيراني: الصواريخ والوكلاء والضغط غير المتماثل
جاء الردّ الإيراني أشدّ ممّا توقّعت معظم تقييمات ما قبل الحرب. أطلقت طهران ما يُقدَّر بـ 380 صاروخاً باليستياً على أهداف إسرائيلية حتى 27 أبريل، تشمل ضربةً كبرى من 110 صواريخ في 7 مارس أربكت قطاعات من دفاعات أرّو-3 وديفيدز سلينج الإسرائيلية وقتلت 22 مدنياً في أبراج سكنية في بيتاح تكفا ورمات غان. وضربت موجة مُركَّزة ثانية في 14 أبريل 2026 — الأكبر منذ الموجة الافتتاحية — قاعدة نيفاتيم الجوية في جنوب إسرائيل وألحقت أضراراً بحظيرتي طائرات إف-35 على الأقلّ ومُجمّع لوجستي. صنّفت الرقابة العسكرية الإسرائيلية مدى الضرر في البداية؛ وأبلغت رويترز وفاينانشال تايمز عن نتيجة الضربة بعد أربعة أيام نقلاً عن مسؤولي دفاع أمريكيين.
تُعدّ مسألة المخزون الصاروخي الآن المتغيّر العملياتي المركزي على الجانب الإيراني. وضعت تقديرات ما قبل الحرب مخزون إيران من الصواريخ الباليستية متوسّطة وبعيدة المدى عند نحو 3000 سلاح بما في ذلك أنظمة شهاب-3 وخرّمشهر وسجّيل وخيبر شكن. وتُفيد تقارير أبريل بأنّ نحو 40 بالمئة من ذلك المخزون تدهور الآن، إمّا بإطلاقه في العمليات أو بتدميره في منشآت الإنتاج والتخزين بضربات التحالف. الـ 60 بالمئة المتبقّية — حوالي 1800 سلاح — تمنح إيران قدرةً مستمرّة على دعم الموجات بالمعدّل الحالي لعدّة أشهر دون نضوب. أضرّت الضربات على خرّم آباد وخجير بخطوط الإنتاج لكنّها لم تقضِ على القدرة الإنتاجية.
تُضيف الصواريخ الجوّالة والطائرات المسيّرة عمقاً إضافياً. فقد استُخدمت ذخائر شاهد-136 وشاهد-238 المتسكّعة، وعائلتا الصواريخ الجوّالة “سومار” و”باوه”، والطائرة المسيّرة “مهاجر-10” في حِزَم مُختلطة إلى جانب الصواريخ الباليستية. ومن الواضح أنّ منظومة الإغراق والإشباع التي صقلتها روسيا في أوكرانيا أثّرت بوضوح على العمليات الإيرانية.
جبهة حزب الله: محدودة لكن مستمرّة
ظلّت الجبهة الشمالية بين حزب الله وجيش الدفاع الإسرائيلي دون عتبة الحرب الشاملة لكنّها بقيت نشطةً باستمرار طوال ثمانية أسابيع. أطلق حزب الله نحو 1100 صاروخ وطائرة مسيّرة ومقذوف قصير المدى على شمال إسرائيل منذ بدء الحرب، اعتُرض معظمها بمنظومات القبّة الحديدية المُعزَّزة من أجل الصراع. كانت العمليات الجوية الإسرائيلية فوق جنوب لبنان وسهل البقاع كثيفة، إذ يدّعي جيش الدفاع الإسرائيلي تنفيذ أكثر من 4000 ضربة جوية حتى 27 أبريل ضدّ مواقع إطلاق الصواريخ وعُقد القيادة ومستودعات الأسلحة.
قُدِّر ترسانة حزب الله ما قبل الحرب بـ 150 ألف صاروخ وقذيفة بالإضافة إلى 100 ألف إلى 150 ألف مقاتل نشط. وقد أدّت حملة 2024 إلى تدهور المخزون الصاروخي بنحو 30 بالمئة وإزالة قيادات بارزة من بينها الأمين العام السيد حسن نصر الله. وقد أدّت الحرب الحالية إلى مزيد من تدهور المخزون لكنّها لم تُسقط القدرة العملياتية لحزب الله. تحتفظ المنظمة بمئات الأنظمة متوسّطة وبعيدة المدى بما في ذلك متغيّرات فاتح-110 وبركان من إيران، إضافةً إلى مخزون متبقٍّ من صواريخ كاتيوشا الأقدم القادرة على إغراق المراكز السكانية الشمالية في إسرائيل.
تتركّز الوفيات اللبنانية في الجنوب. وتضع تقديرات البنك الدولي الأولية الأضرار المادية اللبنانية فوق 14 مليار دولار عبر السكن والبنية الطرقية والمستشفيات والمدارس. وقد بلغ النزوح المدني داخل لبنان نحو 410 آلاف شخص بحسب تتبّع مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، مع التركّز الأكبر في بيروت والبقاع الغربي. وعجزت الحكومة اللبنانية، المشلولة بسبب الأزمة السياسية والمالية المُمتدّة في البلاد، عن فرض سيطرة فعلية على الجنوب الذي يُهيمن عليه حزب الله أو التفاوض على أيّ إطار وقف لإطلاق نار ذي معنى مع تل أبيب.
عمليات الحوثيين والاضطراب في البحر الأحمر
استأنفت ميليشيا الحوثيين في اليمن الهجمات على الملاحة التجارية في البحر الأحمر يوم 6 مارس 2026 — بعد يومين من اندلاع الحرب — واستمرّت بإيقاع ثابت. وقد انعكس تماماً تراجع نشاط الحوثيين قبل الحرب الذي تبع التقارب السعودي الإيراني في أواخر 2024. اعتباراً من أواخر أبريل، يُعتبر مضيق باب المندب مُغلقاً عملياتياً أمام معظم الناقلين الغربيين الكبار وأولئك المُرتبطين بإسرائيل بمن فيهم ميرسك وإم إس سي وهاباغ لويد وزيم وإيفرغرين. تراجعت أحجام عبور قناة السويس بنحو 65 بالمئة مقابل خط الأساس قبل الحرب.
أُعيد ملء مخزون الحوثيين من المخزون الإيراني طوال الحرب. ضربت العمليات البحرية والجوية للتحالف بما في ذلك عمليات مجموعة الضربة الأمريكية الثالثة من بحر العرب مواقع إطلاق الحوثيين في اليمن بإيقاع ثابت لكنّها لم تُلغِ التهديد. وقد ارتفعت أسعار التأمين على الناقلات للعبور في البحر الأحمر إلى علاوة من 1.5 إلى 2.5 بالمئة من قيمة الهيكل، أي أضعاف خط الأساس قبل الحرب. ويُعدّ الاضطراب المُتزامن في هرمز وباب المندب أكبر ضغط مُتزامن على نقاط الاختناق في تاريخ سوق النفط ما بعد عام 1973. تتبّع تقريرنا المُتجدّد انهيار تدفّقات النفط في هرمز الانعكاسات اليومية على تتبّع الناقلات والتسعير.
إعادة تموضع حاملات الطائرات وموقف القوّات الأمريكية
ركّزت البحرية الأمريكية مجموعات حاملات معركة في مسرح الشرق الأوسط الأوسع أكثر ممّا ركّزت في أيّ وقت منذ حرب الخليج 1991. تحفظ يو إس إس جيرالد آر فورد موقعها في حوض شرق البحر المتوسط قبالة الساحل اللبناني والسوري، فتُوفّر قدرة ضربية ضدّ أهداف حزب الله وتغطيةً حماية للملاحة التجارية الإسرائيلية. وتحفظ يو إس إس دوايت آيزنهاور موقعها في بحر العرب لتغطية أهداف الحوثيين وتوفير ضغط ردع ضدّ التحرّكات الإيرانية باتّجاه هرمز. وتعبر يو إس إس ثيودور روزفلت من المحيط الهادئ لتسليم آيزنهاور إذا امتدّت العملية.
تكلفة عمليات حاملات الطائرات ليست تافهة. تضع التقديرات مفتوحة المصدر التي جمّعتها سي إن بي سي ومكتب الدفاع في فاينانشال تايمز كلفة تشغيل مجموعة الضربة الأمريكية عند نحو 3 ملايين دولار يومياً لكلّ مجموعة، قبل احتساب نفقات الذخائر. كلفة طلعة بي-2 من دييغو غارسيا تُقدَّر بنحو 130 ألف دولار في ساعة الطيران. وتُقدَّر التكاليف العملياتية الأمريكية التراكمية منذ 4 مارس بـ 6.5 إلى 8 مليارات دولار حتى 25 أبريل، إضافةً إلى 4 إلى 5 مليارات دولار من نفقات الذخائر بما فيها جي بي يو-57 وصواريخ جاسم الجوّالة وعائلة صواريخ الضربة الدقيقة المُطلقة من الجوّ المُستخدمة ضدّ الأهداف المُحصَّنة.
كانت تكاليف التشغيل الإسرائيلية كبيرةً أيضاً. تبلغ الكلفة العملياتية اليومية لجيش الدفاع الإسرائيلي خلال العمليات عالية الإيقاع نحو 700 مليون دولار وفق تقديرات بنك إسرائيل، مع اقتراب التكاليف المباشرة التراكمية منذ 4 مارس من 35 مليار دولار. وقد وسّعت الخزانة الإسرائيلية تسهيل تمويل الحرب ثلاث مرّات منذ أوائل مارس. تُقدَّر تكاليف إعادة الإعمار في شمال إسرائيل بـ 2 إلى 3 مليارات دولار عبر البنية التحتية المُتضرّرة والأبراج السكنية والمواقع الصناعية بما في ذلك قاعدة رمات داود الجوية ومُجمّع ميناء كيشون.
البرنامج النووي الإيراني: ما الذي ضُرب وما الذي نجا
كان البرنامج النووي الإيراني ما قبل الحرب يعمل عند أعلى مستوى تخصيب في تاريخه. كانت إيران تُنتج سادس فلوريد اليورانيوم المُخصّب إلى نقاء 60 بالمئة في منشأة تخصيب الوقود في نطنز ومنشأة تخصيب الوقود في فوردو، مع مخزون يبلغ نحو 320 كيلوغراماً من المادة بنقاء 60 بالمئة وفق تقارير الوكالة الدولية للطاقة الذرية الصادرة في فبراير 2026. قُدِّر زمن الاختراق — أي الفترة اللازمة لإنتاج ما يكفي من اليورانيوم بدرجة الأسلحة لجهاز نووي واحد — بأسبوع إلى أسبوعين عند بدء الحرب.
أضرّت حملة ضربات التحالف بشكل كبير بالبنية الفوقية للتخصيب. ضُربت قاعات نطنز فوق الأرض ستّ مرّات وهي إلى حدّ كبير غير عاملة. كما ضُربت منشأة تحويل اليورانيوم في أصفهان مرّتين وتعمل بقدرة منخفضة بشكل ملموس. ضُرب مُجمّع مفاعل الماء الثقيل في آراك. وقد امتدّ تقييم الاختراق إلى ستّة أشهر على الأقلّ وفق تحليل مُسرَّب لطاقم الوكالة الدولية للطاقة الذرية ذكرته فاينانشال تايمز وأكّدته رويترز.
مسألة التحصين هي ما يحدّد المسار متوسط الأمد. قاعة تخصيب فوردو المدفونة بعمق — المُشيَّدة داخل جبال زاغروس جنوب قم والمحمية بنحو 80 متراً من الغطاء الصخري — ضُربت بأسلحة جي بي يو-57 الخارقة الضخمة في ثلاث مناسبات على الأقلّ. ويُشير التقييم مفتوح المصدر للضرر السطحي على المداخل إلى اختراق ملموس لكنّه لا يؤكّد التدمير الداخلي. أمّا مُجمّع جبل بيك آكس جنوب نطنز، وهو منشأة أحدث تحت غطاء صخري أعمق، فقد ضُرب مرّةً واحدة وبقي تقييم الضربة سرّياً. إذا بقيت فوردو وبيك آكس عاملتين، تحتفظ إيران بخيار سباق صلب نحو مادة بدرجة الأسلحة بمجرّد انتهاء المرحلة الحركية. أمّا إذا دُمِّرت الاثنتان، فإنّ الجدول الزمني النووي يطول جوهرياً. علّقت الوكالة الدولية للطاقة الذرية عمليات التفتيش يوم 14 مارس 2026.
الحالة الدبلوماسية: ترامب وطهران والقوى
كان موقف إدارة ترامب ثابتاً طوال الأسابيع الثمانية. أطّر الرئيس الحرب بأنّها “تصحيح ضروري” لعقدين من سياسة إيران الفاشلة ورفض دعوات لضبط النفس من قادة أوروبيين والأمين العام للأمم المتحدة وعدّة عواصم إقليمية. وأيّد كبار المسؤولين بمن فيهم وزير الدفاع ومستشار الأمن القومي حملة الضربات علناً ورفضوا مقترحات وقف أمريكي أحادي. الدعم الجمهوري في الكونغرس واسع؛ وتتركّز المعارضة الديمقراطية على مسألة تمويل الحرب لا على المنطق العملياتي.
ظهر المرشد الأعلى الإيراني آية الله علي خامنئي في ثلاث بثوث علنية منذ بدء الحرب، مؤطّراً الصراع بأنّه نضال دفاعي ضدّ العدوان الأمريكي الإسرائيلي ومُتعهّداً بمواصلة المقاومة. كان الرئيس مسعود پزشكيان أكثر ظهوراً في الإعلام الدولي، مُشيراً إلى اهتمام محتمل بإطار تفاوضي مع الإصرار على أنّ إيران لن تستسلم في حقوق التخصيب. مال التوازن السياسي الداخلي الإيراني بين جناح پزشكيان الإصلاحي والمتشدّدين المرتبطين بالحرس الثوري نحو المتشدّدين في ظلّ ظروف الحرب.
كان الردّ الصيني خطابياً فقط. أدانت بكين الحملة الأمريكية الإسرائيلية في مجلس الأمن الدولي، وصوّتت ضدّ صياغة ترخيصية اقترحتها واشنطن، وواصلت شراء النفط الإيراني حيث يسمح الوضع البحري. ولم تُقدّم الصين أسلحةً أو دعماً مالياً منهجياً يتجاوز شراءات النفط القائمة. القيمة الاستراتيجية لبكين في استنزاف عرض النطاق الأمريكي في الشرق الأوسط كبيرة؛ أمّا التدخّل المباشر فلا. كانت روسيا محدودةً بصورة مماثلة، مُركّزةً على التزاماتها المُستمرّة في أوكرانيا وعاجزةً عن إعادة نشر موارد ذات معنى.
أدانت المملكة العربية السعودية الحرب رسمياً ودعت إلى التهدئة. الموقف السعودي الخاصّ، المفهوم على نطاق واسع في الدوائر الدبلوماسية الخليجية والذي ذكرته الجزيرة وفاينانشال تايمز، أكثر تساهلاً مع إيران مُضعَفة بفعل الحركة الأمريكية الإسرائيلية. أخذت الإمارات مسافة استراتيجية مرئية من المملكة العربية السعودية في أعقاب إعلانها الخروج من أوبك في 28 أبريل، لكن الحكومتين على المسألة الإيرانية متماشيتان عملياتياً. تضغط مصر والأردن من أجل وقف إطلاق النار لأسباب إنسانية واقتصادية؛ ويتلقّى كلا الاقتصادين أضراراً جسيمةً من اضطراب أحجام السويس والعقبة.
صدمة النفط: برنت من 99 إلى 117 دولاراً في ستّين يوماً
كان الأثر على سوق النفط أنظف نتيجة قابلة للقياس للحرب. افتُتح برنت في مارس 2026 عند 99.20 دولاراً للبرميل وأُغلق الثلاثاء 28 أبريل عند 117.40 دولاراً، أي ارتفاع 18 بالمئة تركّز في الأيام المُحيطة بالتصعيدات الكبرى. تتبّع غرب تكساس الوسيط بشكل مماثل، مُتحرّكاً من 94.10 إلى 112.30 دولاراً خلال النافذة نفسها. ضاق فارق برنت-دبي إلى أقلّ من 0.50 دولار مع تنافس المشترين الآسيويين على المجمّع المُتقلّص من البراميل السعودية والإماراتية المُمرَّرة عبر هرمز. تُفصّل تغطيتنا المُتجدّدة لـعقوبات تصدير النفط الإيراني الانهيار الموازي لتدفّقات النفط الإيراني تحت ظروف الحرب.
اتّسعت العلاوات الآسيوية للنفط غير المُمرَّر عبر هرمز بشكل حادّ. وتدفع مصافي كوريا الجنوبية واليابان والهند علاوة من 4 إلى 7 دولارات للبرميل فوق المعيار المُعادل لبرنت للنفط السعودي المُتحرّك عبر خط الأنابيب الشرقي الغربي إلى ينبع وللنفط الإماراتي المُتحرّك عبر تجاوز حبشان-الفجيرة. أصبحت العلاوة الآسيوية الآن مُضمَّنة هيكلياً في إطار العقد طويل الأجل ومن غير المرجّح أن تختفي بسرعة حتى لو أُعيد فتح هرمز. ارتفع الذهب 18 بالمئة فوق 3420 دولاراً للأونصة في تدفّق ملاذ آمن. كسب مؤشّر الدولار 1.8 بالمئة مقابل سلّة من العملات الرئيسية. سُحب من الاحتياطي البترولي الاستراتيجي الأمريكي نحو 12 مليون برميل في إطلاقات مُنسَّقة منذ 8 مارس.
صورة منحنى الأسعار الآجلة مُعبّرة. يتداول عقد برنت لشهر يونيو 2026 عند 117 دولاراً مع تداول عقد ديسمبر 2026 عند 108 دولارات — أي تراجع 9 بالمئة يُشير إلى أنّ السوق تتوقّع تطبيع العرض في وقت لاحق من السنة. يتداول عقد ديسمبر 2027 عند 94 دولاراً، أقلّ بكثير من المستويات الحالية لكن أعلى بكثير من منحنى ما قبل الحرب. تُسعّر السوق علاوة مخاطر شرق أوسطية جزئية لكنّها متينة حتى بعد انتهاء العمليات الحركية. رفع غولدمان ساكس هدف برنت إلى 125 دولاراً مع احتمال 30 بالمئة عند 140 دولاراً؛ يُحافظ جي بي مورغان على 115 دولاراً مع جانب صعودي 135 دولاراً؛ سيتي عند 120 دولاراً كأساس. تمتدّ استطلاعات الإجماع الأسبوعية لـسي إن بي سي وبلومبرغ الآن عند نطاق هدف 116 إلى 122 دولاراً.
مسألة الدفاع الجوّي الخليجي
أخضعت القدرة الإيرانية الصاروخية وقدرة الطائرات المسيّرة الدفاعات الجوية لدول مجلس التعاون الخليجي لضغط مستمرّ لأوّل مرّة في تاريخ التحالف. امتصّت المملكة العربية السعودية والإمارات هجمات طائرات مسيّرة إيرانية متعدّدة استهدفت منشآت أرامكو السعودية في بقيق وخريص والبنية التحتية لأدنوك في الرويس. اعترضت منظومات باتريوت وثاد وسكاي سابر المحلية الجزء الأكبر من التهديدات الواردة لكنّها لم تكن مُحكمة. تستعرض تحليلنا للتهديد الصاروخي الإيراني للدفاع الجوّي الخليجي نسب الاعتراض المُحدَّدة وانعكاسها على برامج المُشتريات في دول الخليج.
محادثات السلام: وساطة عُمانية مُتعثّرة
استضافت سلطنة عُمان مسار وساطة هادئاً في مسقط طوال الحرب، مستفيدةً من موقعها العتيد كقناة سرّية بين واشنطن وطهران. كانت المحادثات مستمرّة لكنّها مُتعثّرة. اعتباراً من منتصف أبريل، عُقدت أربع جولات دون أيّ تقدّم جوهري في وقف إطلاق النار الحركي أو الإطار النووي طويل الأجل. يرفض المفاوضون الإيرانيون الشرط الأمريكي المُسبق بوقف التخصيب فوراً؛ ويرفض المفاوضون الأمريكيون الشرط الإيراني المُسبق بوقف حملة الضربات شرطاً للتفاوض الجادّ.
أصبحت الهندسة الدبلوماسية حول المحادثات أكثر تعقيداً منذ إعلان الإمارات في 28 أبريل خروجها من أوبك. تُقلّل المسافة الاستراتيجية المرئية الآن بين الرياض وأبوظبي تماسك مدخلات الخليج في أيّ إطار تفاوضي. أوضح المبعوثون المصريون والأردنيون أنّهم سيدعمون أيّ وقف إطلاق نار تقبله الولايات المتحدة؛ كانت قطر مرئيةً في مسار الدبلوماسية المكوكية المُستضاف في الدوحة. ومدى استعداد إدارة ترامب لوقف إطلاق نار جزئي يوقف العمليات الحركية دون حلّ المسألة النووية غير واضح؛ عارضت حكومة رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو علناً أيّ إطار لا يتضمّن تدميراً مُتحقّقاً منه لفوردو وبيك آكس. وتتبّع تحليلنا لخروج الإمارات من أوبك الانعكاسات الموازية على الإطار التفاوضي.
تحليل السيناريوهات: متشائم، أساسي، صعودي
السيناريو المتشائم (احتمال 35 بالمئة). تمتدّ الحرب ستّة أشهر إضافية أو أكثر دون وقف إطلاق نار. تُحافظ إيران على الموجات الصاروخية بالإيقاع الحالي، ويبقى حزب الله نشطاً على الجبهة الشمالية، وتستمرّ عمليات الحوثيين في تعطيل الملاحة في البحر الأحمر. ينجرف برنت إلى نطاق 120-135 دولاراً. الذهب فوق 3600 دولار. ينخفض الاحتياطي البترولي الاستراتيجي الأمريكي إلى دون 350 مليون برميل. تصبح دورة مجموعة ضربة أمريكية ثانية ضرورية. تتجاوز الإصابات المدنية الإقليمية 5000.
السيناريو الأساسي (احتمال 45 بالمئة). يُتوصَّل إلى وقف إطلاق نار محدود في الربع الثالث من 2026، بوساطة عُمان وبدعم مصري وقطري. يوقف الإطار العمليات الحركية دون حلّ المسألة النووية. تستأنف الوكالة الدولية للطاقة الذرية عمليات تفتيش بشكل محدود. تتعافى حركة هرمز إلى نحو 60 بالمئة من الأحجام ما قبل الحرب بحلول نهاية السنة. يستقرّ برنت في نطاق 95 إلى 105 دولارات. يتراجع الذهب إلى 3100 دولار. يبدأ إعادة الإعمار في لبنان وشمال إسرائيل والمحافظات الإيرانية المُتأثّرة بالضربات.
السيناريو الصعودي (احتمال 20 بالمئة). يُتفاوَض على اتّفاق شامل في الربع الرابع من 2026 يجمع بين القيود النووية ورفع العقوبات، مبنيّاً على إطار “خطة عمل مشتركة شاملة بلس”. تستأنف عمليات تفتيش الوكالة الدولية للطاقة الذرية بنطاقها الكامل ما قبل الحرب. تعود حركة هرمز إلى أحجام ما قبل الحرب. يستقرّ برنت في نطاق 80 إلى 90 دولاراً. يقبل البرنامج النووي الإيراني تخصيباً مُحدَّداً وتحقّقاً تدخّلياً. المسار إلى هذا السيناريو يتطلّب تغييراً قيادياً إيرانياً في الموقف وتحوّلاً في حسابات إدارة ترامب لا تدعمه الرسائل الحالية.
توقّع الجدول الزمني: من الربع الثاني إلى الربع الرابع 2026
الربع الثاني 2026 (مايو إلى يونيو). استمرار العمليات الحركية. يبقى ضغط أسعار النفط القيد المُلزم على الاقتصاد العالمي. يبدأ تمرير التضخّم إلى أسعار المستهلك في الظهور في قراءات مؤشّرات أسعار المستهلك الأمريكية والأوروبية لمايو ويونيو. تبقى تقلّبات الأسهم مرتفعة. لا تقدّم سياسي هو التوقّع الأساسي. يصبح الاجتماع الوزاري لأوبك+ في أوائل مايو الحدث التسعيري الحاسم؛ يُغيّر الخروج الإماراتي البنية المؤسّسية للردّ.
الربع الثالث 2026 (يوليو إلى سبتمبر). الألم الاقتصادي يفرض المحادثات. يخلق مزيج برنت بين 115 و130 دولاراً، وتدهور الإنتاج الصناعي الأوروبي، وتسارع التضخّم الآسيوي ضغطاً على جميع العواصم الكبرى للدفع باتّجاه وقف إطلاق نار. يكتسب مسار الوساطة العُمانية زخماً. يصبح إطار توقّف محدود معقولاً بحلول أغسطس أو سبتمبر. يبلغ برنت ذروته ويبدأ التراجع.
الربع الرابع 2026 (أكتوبر إلى ديسمبر). اتفاق مرحلي محتمل. التقويم السياسي في الولايات المتحدة (وضع منتصف الفترة)، وإسرائيل (مسائل استقرار الائتلاف)، وإيران (تخطيط الخلافة تحت ضغط) يخلق جميعها حوافز نحو ترتيب مرحلي. ربّما يقصر الاتفاق عن الحلّ النووي الكامل لكنّه يُجمّد المرحلة الحركية ويسمح بإعادة الإعمار. يتطبّع برنت نحو 90 دولاراً. يبقى الضرر الاستراتيجي على الهيكل المؤسّسي لأوبك، والجدول الزمني النووي لإيران، والقاعدة العملياتية لحزب الله، وبنية حركة مضيق هرمز لسنوات.
الخلاصة
حرب إيران في 28 أبريل 2026 هي أكثر العمليات العسكرية أهمّيةً في الشرق الأوسط منذ غزو العراق 2003 وأكثر أحداث سوق النفط أهمّيةً منذ حظر 1973. بعد ثمانية أسابيع، تستمرّ العمليات الحركية بإيقاع عالٍ. تأخّرت البنية النووية الإيرانية نحو ستّة أشهر لكنّ المواقع المدفونة بعمق مسألة مفتوحة. تدهور المخزون الصاروخي الإيراني لكنّه لم يُستنفد. حزب الله مجروح لكنّه عامل. مضيق هرمز مُغلق فعلياً. برنت عند 117 دولاراً ويرتفع. محادثات السلام مُتعثّرة. السيناريو المتشائم لديه احتمال 35 بالمئة بالامتداد إلى الربع الثالث وما بعده. نُتابع كلّ برقية، كلّ موجة صاروخية، كلّ تقييم قصف عند ورودها. شكل الشرق الأوسط ما بعد الحرب يُكتب هذا الشهر، والكتابة لم تنتهِ.
تقرير من قِبَل غرفة تحرير ميدل إيست إنسايدر من بيروت وتل أبيب والرياض. المصادر: رويترز، بلومبرغ، وول ستريت جورنال، فاينانشال تايمز، الجزيرة، سي إن بي سي، إدارة معلومات الطاقة الأمريكية، إحاطات طاقم الوكالة الدولية للطاقة الذرية، التقييمات الأولية للبنك الدولي، تتبّع مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية. أرقام الإصابات مُتنازع عليها وتُحدَّث باستمرار. تحديث 28 أبريل 2026، 23:15 بتوقيت الخليج. ولمزيد من السياق راجع تغطيتنا لـإدارة معلومات الطاقة الأمريكية.
