الأسواق
تاسي 11,268 -0.1% مؤشر الإمارات $18.30 -1.9% البورصة المصرية 46,399 -0.7% الذهب $4,703 +0.5% النفط $109.05 +0% S&P 500 6,583 +0.1% بيتكوين $67,269 +-0%
English
اقتصاد

اقتصاد فلسطين تحت الحصار 2026: ماذا تقول الأرقام

تحليل شامل قائم على البيانات لاقتصاد فلسطين في 2026: الناتج المحلي الإجمالي، البطالة، التجارة، المساعدات، والصمود تحت الحصار والاحتلال.

Palestinian olive trees symbolizing resilience and endurance of the Palestinian economy and people under occupation

مفارقة اقتصاد يرفض أن يموت

هناك تناقض عميق مُضمَّن في كل إحصائية اقتصادية عن فلسطين: الأرقام تصف دماراً كاملاً لدرجة أنه لا ينبغي لأي اقتصاد أن ينجو منه، ومع ذلك يستمر الاقتصاد. الاقتصاد الفلسطيني في 2026 يوجد كشهادة على صمود الإنسان ولائحة اتهام لنظام صُمم بدقة متناهية لمنع شعب بأكمله من الازدهار. عندما تدرس البيانات — أرقام الناتج المحلي الإجمالي، ونسب البطالة، وأحجام التجارة، وتقديرات الدمار — فأنت لا تقرأ مجرد مؤشرات اقتصادية. أنت تقرأ قصة ما يحدث عندما يُفكَّك اقتصاد حديث بشكل منهجي بينما يراقب العالم ويتناقش ويفعل في النهاية أقل بكثير مما ينبغي.

يقدم هذا المقال تلك القصة من خلال الأرقام، لأن الأرقام أصعب في الرفض من السرديات. كل إحصائية مُستشهَد بها هنا تأتي من مؤسسات دولية — البنك الدولي، وصندوق النقد الدولي، والأمم المتحدة، والجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني — مؤسسات ليس لها مصلحة في المبالغة وكل حافز نحو التقدير المحافظ. إن كان هناك شيء، فالواقع أسوأ مما تُظهره البيانات، لأن المناطق الأكثر دماراً هي تحديداً المناطق التي أصبح فيها جمع البيانات مستحيلاً.

نحن مدينون للشعب الفلسطيني بالنظر إلى هذه الأرقام بصدق، وفهم ما تعنيه، والاعتراف بأن وراء كل نقطة مئوية من انخفاض الناتج المحلي هناك عائلات وأطفال ومعلمون وأطباء ومزارعون ورواد أعمال قُلبت حياتهم رأساً على عقب بفعل قوى خارجة تماماً عن سيطرتهم.

The Wealth Stone - Wealth Management & Investments

الصورة الاقتصادية الكلية: اقتصاد في سقوط حر

لفهم أين يقف الاقتصاد الفلسطيني في 2026، يجب أولاً فهم أين كان قبل أكتوبر 2023 — وكم سقط منذ ذلك الحين.

خط الأساس قبل الأزمة (2022)

في عام 2022، كان الاقتصاد الفلسطيني مقيداً بالفعل لكنه يعمل. المؤشرات الرئيسية رسمت صورة لاقتصاد نامٍ يعمل تحت قيود هيكلية شديدة:

  • الناتج المحلي الإجمالي: حوالي 19.1 مليار دولار (اسمي)
  • نصيب الفرد من الناتج المحلي: حوالي 3,660 دولار
  • السكان: 5.35 مليون (الضفة الغربية: 3.19 مليون، غزة: 2.16 مليون)
  • البطالة: 24.4% (الضفة الغربية: 13.1%، غزة: 45.3%)
  • معدل الفقر: 29.2% (الضفة الغربية: 13.9%، غزة: 53.0%)
  • معدل النمو السنوي: 3.9%

هذه الأرقام كانت تروي بالفعل قصة عدم مساواة وقيود. غزة، تحت الحصار منذ 2007، كان معدل بطالتها أكثر من ثلاثة أضعاف الضفة الغربية ومعدل فقرها أربعة أضعاف تقريباً. لكن الاقتصاد كان يعمل. الناس كانوا يعملون ويتاجرون ويبنون ويخططون للمستقبل.

الانهيار (أكتوبر 2023–2026)

ما تبع أكتوبر 2023 لم يكن مجرد ركود أو انكماش اقتصادي. كان إبادة اقتصادية لا سابقة حديثة لها من حيث السرعة والشمولية. وفقاً لتقييمات البنك الدولي وتقارير الأونكتاد:

  • انخفاض ناتج غزة المحلي: انكماش مقدر بـ 80-85% من مستويات 2022
  • انخفاض ناتج الضفة الغربية: انكماش مقدر بـ 25-30%
  • إجمالي الناتج الفلسطيني (تقدير 2026): 13-14 مليار دولار، انخفاضاً من 19.1 مليار
  • نصيب الفرد (تقدير 2026): أقل من 2,500 دولار، يقترب من مستويات لم تُشهد منذ أوائل الألفية

لوضع هذا في السياق: انكماش بنسبة 80-85% في ناتج غزة المحلي يعني أن اقتصاداً كان بالفعل من أفقر الاقتصادات في الشرق الأوسط فقد أربعة أخماس قدرته الإنتاجية. هذا لا يُقارن بالأزمة المالية عام 2008 (التي تسببت بانخفاضات في خانة الآحاد) أو حتى ركود كوفيد-19 (الذي تسبب بانكماشات مؤقتة 5-15%). هذا يُقارن بالدمار الاقتصادي لألمانيا في زمن الحرب أو حلب بعد الحصار — أحداث اعترف المجتمع الدولي بحق أنها كارثية.

البطالة: عندما يصبح العمل ذاته مستحيلاً

إحصائيات التوظيف في فلسطين تروي واحدة من أكثر القصص تدميراً في الاقتصاد العالمي. الأرقام ليست مرتفعة فحسب — إنها تمثل انهياراً جوهرياً في قدرة ملايين الناس على إعالة أنفسهم وعائلاتهم من خلال العمل المنتج.

غزة: شلل اقتصادي شبه كامل

في غزة، أصبحت إحصائيات التوظيف ذات المعنى شبه غير ذات صلة، لأن مفهوم “التوظيف” يتطلب بنية تحتية اقتصادية عاملة لم تعد موجودة إلى حد كبير. قبل أكتوبر 2023، كان في غزة حوالي 280,000 عامل في اقتصادها الرسمي وعشرات الآلاف في القطاع غير الرسمي. تدمير المنشآت التجارية والمصانع والأراضي الزراعية والبنية التحتية للخدمات جعل الغالبية العظمى من هذه الوظائف غير موجودة.

تشير التقديرات الحالية إلى أن البطالة في غزة تبلغ 85-90%، حيث تعمل النسبة الصغيرة من المشتغلين بشكل أساسي في عمليات المساعدات الإنسانية الطارئة والرعاية الصحية الأساسية والتجارة غير الرسمية على مستوى البقاء. وصفت منظمة العمل الدولية الوضع بأنه “أسرع وأكمل تدمير لقاعدة توظيف في التاريخ الحديث”.

الضفة الغربية: الخنق البطيء

أزمة التوظيف في الضفة الغربية مختلفة في طبيعتها لكنها مدمرة بحد ذاتها. ثلاثة عوامل مترابطة دفعت البطالة من حوالي 13% في 2022 إلى ما يقدر بـ 30-35% في 2026:

  1. فقدان تصاريح العمل الإسرائيلية: قبل أكتوبر 2023، كان حوالي 150,000 فلسطيني من الضفة الغربية يعملون داخل إسرائيل وفي المستوطنات، يكسبون رواتب أعلى 2-3 أضعاف من المتاح في الاقتصاد الفلسطيني. الإلغاء الجماعي لتصاريح العمل أزال مصدر دخل حيوي، حيث يقدر البنك الدولي خسارة الدخل السنوية بحوالي 1.5-2 مليار دولار.
  2. تشديد قيود الحركة: توسيع الحواجز وإغلاق الطرق وحواجز الحركة في أنحاء الضفة الغربية قسّم الإقليم إلى جزر اقتصادية معزولة. مصنّع في نابلس قد يكون عاجزاً عن نقل البضائع إلى رام الله — رحلة 60 كيلومتراً — دون قضاء ساعات عند حواجز متعددة، إن سُمح بالمرور أصلاً.
  3. انهيار ثقة المستثمرين والمستهلكين: الاستثمار الخاص، الذي كان ينمو بثبات قبل الأزمة، تجمّد فعلياً. البنوك الفلسطينية تُبلغ عن زيادات كبيرة في القروض المتعثرة، وتوقفت مشاريع البناء، وانكمش الإنفاق الاستهلاكي بشكل حاد.

بطالة الشباب: جيل بلا آفاق

ربما أكثر إحصائيات التوظيف إثارة للقلق هي بطالة الشباب. بين الفلسطينيين من سن 15 إلى 29، تُقدر البطالة بـ 60-70% عبر كلا الإقليمين. في غزة، تقترب بطالة الشباب من 95%. هذا يعني أن جيلاً كاملاً ينشأ بدون فرصة لتطوير مهارات مهنية أو بناء مسيرات أو المساهمة بشكل منتج في اقتصادهم. الآثار الاقتصادية طويلة المدى مذهلة: تنمية رأس المال البشري، التي يعترف الاقتصاديون بأنها أهم محرك للنمو الاقتصادي، توقفت لجيل كامل من الفلسطينيين.

الدمار المادي: إحصاء ما فُقد

يركز التحليل الاقتصادي عادة على التدفقات — الناتج المحلي، التجارة، التوظيف. لكن الكارثة الاقتصادية الفلسطينية تتعلق جوهرياً بتدمير المخزونات — رأس المال المادي والبنية التحتية والأصول الإنتاجية التي يحتاجها الاقتصاد للعمل.

تدمير البنية التحتية في غزة

وثّقت عدة تقييمات دولية، بما فيها تقييمات البنك الدولي وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي وشركات هندسية مستقلة، الدمار التالي في غزة:

  • المساكن: ما يُقدر بـ 70-80% من جميع المباني السكنية تضررت أو دُمرت، مما شرّد أكثر من 1.9 مليون شخص (أكثر من 85% من سكان غزة)
  • الرعاية الصحية: أكثر من 80% من المرافق الصحية تضررت أو دُمرت، بما فيها المستشفيات الرئيسية التي كانت العمود الفقري لنظام غزة الصحي
  • التعليم: أكثر من 90% من المباني المدرسية تضررت أو دُمرت، مما أثر على أكثر من 625,000 طالب
  • المياه والصرف الصحي: أكثر من 70% من البنية التحتية للمياه والصرف تضررت، مما خلق حالة طوارئ صحية عامة
  • الزراعة: ما يُقدر بـ 60-70% من الأراضي الزراعية تضررت، بما فيها تدمير بساتين ودفيئات وأنظمة ري استغرق تطويرها عقوداً
  • التجارة والصناعة: أكثر من 80% من المنشآت التجارية تضررت أو دُمرت، بما فيها المصانع والورش والأسواق ومحال التجزئة
  • الطرق والنقل: شبكات الطرق الرئيسية تضررت بشكل كبير، مما جعل الحركة والتجارة داخل غزة صعبة للغاية

قُدرت التكلفة الإجمالية للتدمير المادي بـ 40-50 مليار دولار حسب التقييمات الدولية، مع بعض التقديرات الأعلى. للسياق، كان الناتج المحلي السنوي لغزة قبل الأزمة حوالي 6.5 مليار دولار. الدمار يمثل ما يقارب 6-8 سنوات من إجمالي الناتج الاقتصادي لغزة — حجم دمار يكاد يكون غير قابل للاستيعاب. للتقييمات التفصيلية، انظر صفحة البنك الدولي للضفة الغربية وغزة.

التجارة تحت الحصار: هندسة الخنق الاقتصادي

التجارة الدولية هي شريان الحياة لأي اقتصاد حديث. بالنسبة لفلسطين، تم تقييد التجارة بشكل منهجي من خلال بنية سيطرة سبقت أكتوبر 2023 لكنها تكثفت بشكل كبير منذ ذلك الحين.

بروتوكول باريس: سجن اقتصادي متنكر في صورة اتفاق

بروتوكول باريس للعلاقات الاقتصادية عام 1994، المُوقَّع كجزء من اتفاقيات أوسلو، كان مقصوداً كترتيب مؤقت لخمس سنوات لتنظيم العلاقات الاقتصادية الإسرائيلية-الفلسطينية خلال فترة انتقالية. بعد ثلاثة عقود، لا يزال سارياً، يربط الاقتصاد الفلسطيني بالسياسة الاقتصادية الإسرائيلية دون تقديم أي من فوائد التكامل الاقتصادي الحقيقي.

بموجب بروتوكول باريس:

  • لا تستطيع فلسطين تحديد أسعار تعرفاتها الجمركية، مما يُسلّم سياسة التجارة فعلياً لإسرائيل
  • لا تستطيع فلسطين السيطرة على حدودها بشكل مستقل أو إنشاء طرق تجارة مباشرة
  • إسرائيل تجمع الرسوم الجمركية وضريبة القيمة المضافة الفلسطينية (“إيرادات المقاصة”)، وتحوّلها للسلطة — نظام يمنح إسرائيل نفوذاً مالياً على السلطة
  • لا تستطيع فلسطين إصدار عملتها الخاصة، مما يجعل السياسة النقدية مستحيلة

هذه القيود الهيكلية تعني أنه حتى قبل أي عمل عسكري، كان الاقتصاد الفلسطيني يعمل تحت ظروف لا يواجهها أي اقتصاد آخر في العالم. لا يحقق أي بلد ازدهاراً اقتصادياً عندما يتحكم بلد آخر في حدوده وسياسته التجارية وإيراداته المالية ونظامه النقدي.

حصار غزة: إغلاق اقتصاد

منذ 2007، تخضع غزة لحصار بري وبحري وجوي شامل خنق اقتصادها تدريجياً. يتحكم الحصار فيما يدخل ويخرج من غزة، مقيداً بشدة:

  • المواد الخام اللازمة للتصنيع والبناء
  • صادرات المنتجات الغزية (التي توقفت فعلياً حتى قبل أكتوبر 2023)
  • حركة الأشخاص، مانعاً الشركات الغزية من الوصول للأسواق وحضور المعارض التجارية أو لقاء الشركاء
  • مناطق الصيد (مقيدة بـ 6-15 ميلاً بحرياً، أقل بكثير من 20 ميلاً المتفق عليها في أوسلو)

منذ أكتوبر 2023، تشدد الحصار أكثر، مع تقييد شديد لإيصال المساعدات الإنسانية. العواقب الاقتصادية تمتد وراء الدمار المباشر: حتى لو بدأت إعادة الإعمار المادي فوراً، فإن بنية الحصار تجعل استيراد مواد البناء والآلات والخبرات صعباً للغاية.

حواجز التجارة في الضفة الغربية

تواجه الضفة الغربية قيوداً تجارية مختلفة لكنها مُنهكة بنفس القدر. جدار الفصل ونظام الحواجز ومناطق الحركة المراقبة (المناطق أ، ب، ج حسب تصنيفات أوسلو) تقسم الإقليم إلى جزر اقتصادية. تُفيد الشركات الفلسطينية أن نقل البضائع بين مدن الضفة الغربية يمكن أن يستغرق 3-5 أضعاف المسافة الفعلية بسبب تأخيرات الحواجز، مما يضيف 30-50% لتكاليف النقل.

المنطقة ج، التي تشكل حوالي 60% من مساحة أراضي الضفة الغربية وتحتوي على أقيم أصولها الزراعية والموارد، تبقى تحت السيطرة الإسرائيلية الكاملة. النشاط الاقتصادي الفلسطيني في المنطقة ج مقيد بشدة، حيث لا تُمنح تصاريح البناء تقريباً أبداً وتُهدم المنشآت القائمة بشكل متكرر. يقدر البنك الدولي أن الوصول الفلسطيني غير المقيد للمنطقة ج سيزيد الناتج المحلي الفلسطيني بحوالي 35% — رقم يوضح التكلفة الاقتصادية الهائلة لتفتيت الأراضي. المزيد من البيانات متاح من تقارير الأونكتاد الاقتصادية الفلسطينية.

الأزمة المالية: عندما لا تستطيع الحكومة أن تعمل

تواجه السلطة الفلسطينية، التي تقدم خدمات حكومية في الضفة الغربية و(اسمياً) في غزة، أزمة مالية تهدد قدرتها على العمل ككيان حاكم.

انهيار الإيرادات

تأتي إيرادات السلطة من مصدرين رئيسيين: إيرادات المقاصة التي تجمعها إسرائيل (حوالي 65% من إجمالي الإيرادات) والضرائب والرسوم المحلية (حوالي 35%). كلا المصدرين تعطل بشدة:

  • احتجاز إيرادات المقاصة: احتجزت إسرائيل مراراً أو خصمت من إيرادات المقاصة الفلسطينية. في 2024-2025، بلغت المبالغ المحتجزة مستويات قياسية، حارمة السلطة من مصدر إيراداتها الأساسي في اللحظة التي كانت فيها الاحتياجات أكثر حدة.
  • انخفاض الإيرادات المحلية: الانكماش الاقتصادي قلّص النشاط الاقتصادي الخاضع للضريبة، مُقلّصاً قاعدة الإيرادات المحلية.

ضغوط الإنفاق

بينما انهارت الإيرادات، ارتفعت احتياجات الإنفاق:

  • رواتب القطاع العام: توظف السلطة حوالي 150,000 شخص (بما فيهم قوات الأمن)، مما يجعلها أكبر جهة توظيف في الأراضي الفلسطينية. دفعات الرواتب كانت جزئية وغير منتظمة.
  • التحويلات الاجتماعية: ازداد الفقر بشكل كبير، موسعاً السكان المؤهلين للمساعدة الاجتماعية في الوقت الذي يكون فيه التمويل أكثر تقييداً.
  • الصحة والتعليم: ارتفع الطلب على الخدمات العامة بينما انخفضت القدرة على تقديمها.

يُقدر عجز ميزانية السلطة بـ 1.5-2 مليار دولار في 2026، فجوة لم يعالجها المانحون الدوليون بشكل كافٍ.

المساعدات الدولية: وعود وسياسة وقصور

كانت المساعدات الدولية سمة مميزة للاقتصاد الفلسطيني لعقود، تعكس اعتراف العالم بالاحتياجات الفلسطينية وفشله في معالجة الأسباب الجذرية لتلك الاحتياجات.

المساعدات قبل الأزمة

في العقد السابق لأكتوبر 2023، تلقت فلسطين حوالي 2-2.5 مليار دولار سنوياً من المساعدات الدولية. هذه المساعدات، رغم أهميتها، لم تكن كافية أبداً لتعويض التكاليف الاقتصادية للاحتلال. قدّر البنك الدولي في 2022 أن التكاليف الاقتصادية المباشرة وغير المباشرة للاحتلال تجاوزت 3.5 مليار دولار سنوياً.

أزمة المساعدات منذ 2023

كشفت الفترة منذ أكتوبر 2023 هشاشة وتسييس بنية المساعدات الدولية:

  1. تخفيض تمويل الأونروا: علّقت عدة دول غربية أو خفضت تمويلها للأونروا، الوكالة التي تقدم التعليم والصحة والخدمات الاجتماعية لـ 5.9 مليون لاجئ فلسطيني مسجل. جاءت هذه التخفيضات في لحظة الحاجة الأكبر.
  2. قيود الوصول الإنساني: حتى عندما تُعهد المساعدات وتُموّل، كان إيصالها إلى غزة مقيداً بشدة.
  3. الفجوة بين التعهدات والتسليم: ولّدت المؤتمرات الدولية أرقام تعهدات مثيرة للإعجاب، لكن الفجوة بين المُتعهد به والمُقدم فعلياً تبقى ضخمة.

سؤال إعادة الإعمار

حتى 2026، لم تبدأ إعادة إعمار جدية لغزة، والتقديرات الموثوقة تشير إلى أنها لا تستطيع أن تبدأ على نطاق واسع دون تغييرات جوهرية في الوضع السياسي والأمني. التكلفة المقدرة لإعادة الإعمار — 50-80 مليار دولار لغزة وحدها — تقزّم أي شيء حاوله المجتمع الدولي سابقاً في المنطقة. للسياق، كلّف مشروع مارشال، الذي أعاد بناء أوروبا الغربية بعد الحرب العالمية الثانية، حوالي 13 مليار دولار (نحو 170 مليار بدولارات اليوم) موزعة على 16 دولة. انظر التحديثات الأخيرة من نظام الأمم المتحدة للمعلومات حول قضية فلسطين.

الزراعة: القطاع الذي يجسد الصمود الفلسطيني

إذا كان هناك قطاع واحد يلتقط المأساة والصمود في الاقتصاد الفلسطيني معاً، فهو الزراعة. شجرة الزيتون — التي يمكن أن تعيش لقرون، وتنجو في ظروف قاسية، وكانت محورية للثقافة الفلسطينية لآلاف السنين — تعمل كاستعارة ملائمة للتجربة الاقتصادية الفلسطينية.

الزراعة قبل الأزمة

ساهمت الزراعة بحوالي 7-8% من الناتج المحلي الفلسطيني ووظفت نحو 10-13% من القوى العاملة. لكن أهميتها تجاوزت الإحصائيات الاقتصادية: كانت الزراعة محورية للهوية الفلسطينية والأمن الغذائي والارتباط بالأرض. المنتجات الرئيسية شملت:

  • زيت الزيتون: تنتج فلسطين بعضاً من أجود أنواع زيت الزيتون في العالم، بحوالي 10 ملايين شجرة زيتون.
  • التمور: خاصة في وادي الأردن وغزة.
  • الخضروات والفواكه: زراعة الدفيئات في غزة أنتجت فراولة وطماطم وفلفل وزهور عالية الجودة للتصدير.
  • الماشية: تربية الأغنام والماعز والدواجن وفرت الأمن الغذائي والدخل.

الدمار الزراعي

كان تدمير الأصول الزراعية كارثياً، خاصة في غزة:

  • ما يقدر بـ 60-70% من الأراضي الزراعية في غزة تضررت أو أصبحت غير صالحة للاستخدام
  • أنظمة الري والدفيئات ومنشآت المعالجة دُمرت بشكل واسع
  • أعداد الماشية تراجعت بشكل حاد مع قطع إمدادات العلف بسبب الحصار
  • في الضفة الغربية، تصاعد عنف المستوطنين ضد المزارعين الفلسطينيين، مع اقتلاع أشجار الزيتون وتعطيل الحصاد

رغم هذا الدمار، تبقى الزراعة من أكثر القطاعات صموداً في الاقتصاد الفلسطيني. في الضفة الغربية، يواصل المزارعون زراعة أراضيهم تحت صعوبات استثنائية. في غزة، حتى وسط الدمار، ظهرت الزراعة الحضرية الصغيرة وزراعة الكفاف كاستراتيجيات بقاء.

قطاع التكنولوجيا: ما كان يمكن أن يكون

واحد من أكثر جوانب القصة الاقتصادية الفلسطينية إيلاماً هو ما كان ينشأ قبل الأزمة. في السنوات السابقة لأكتوبر 2023، كانت فلسطين — وخاصة رام الله، وبدرجة أقل غزة — تطور قطاع تكنولوجيا أظهر وعداً ملحوظاً.

النظام البيئي التقني الفلسطيني

بحلول 2022، نما قطاع التكنولوجيا الفلسطيني إلى صناعة بأكثر من 500 مليون دولار توظف آلاف المهنيين المهرة. شملت التطورات الرئيسية:

  • الاستعانة بمصادر خارجية والعمل الحر: المطورون والمصممون الفلسطينيون اندمجوا بشكل متزايد في منصات العمل الحر العالمية.
  • نظام الشركات الناشئة: الشركات الناشئة في رام الله جذبت رأس مال مخاطر دولي.
  • مجتمع المبرمجين في غزة: رغم الحصار، طورت غزة مجتمعاً ملحوظاً من مطوري البرمجيات الذين عملوا عن بعد لعملاء دوليين.
  • الدعم المؤسسي: منظمات شملت صندوق الاستثمار الفلسطيني ووكالات تنمية دولية ومسرعات أعمال خاصة كانت تبني إطاراً مؤسسياً لدعم ريادة الأعمال التقنية.

تأثير الأزمة

عطّلت الأزمة هذا التقدم بشدة. في غزة، دمّر تدمير البنية التحتية — بما فيها شبكات الاتصالات وأنظمة الطاقة والمساحات المادية التي عمل فيها العاملون في التقنية — الاقتصاد الرقمي. في الضفة الغربية، أبطأت قيود الحركة وعدم اليقين الاقتصادي وهجرة المهنيين المهرة الزخم. هجرة الأدمغة — رحيل الفلسطينيين المتعلمين والمهرة بحثاً عن فرص في أماكن أخرى — تمثل ربما أهم خسارة اقتصادية طويلة المدى.

القطاع المصرفي والمالي: النظام تحت الضغط

يواجه القطاع المصرفي الفلسطيني، الذي كان من أفضل القطاعات تنظيماً واستقراراً في المنطقة، ضغوطاً غير مسبوقة في 2026.

قوة القطاع المصرفي قبل الأزمة

كان لدى البنوك الفلسطينية حوالي 20 مليار دولار في إجمالي الأصول قبل الأزمة، والقطاع منظم من سلطة النقد الفلسطينية. تميز النظام المصرفي بممارسات إقراض محافظة ونسب كفاية رأسمال قوية (عادة أعلى من 15%) وخدمات مصرفية رقمية متنامية.

الضغوط الحالية

  • القروض المتعثرة: مع تدمير الشركات وعجز الأفراد عن خدمة الديون، ارتفعت نسب القروض المتعثرة بشكل حاد.
  • سحب الودائع: عدم اليقين الاقتصادي دفع لسحب الودائع، مقلّصاً قدرة البنوك على الإقراض.
  • علاقات البنوك المراسلة: أصبحت البنوك الدولية حذرة بشكل متزايد من الحفاظ على علاقات مراسلة مع البنوك الفلسطينية.
  • تحديات تداول النقد: توزيع النقد المادي في غزة أصبح صعباً للغاية.

التكلفة الإنسانية: وراء كل إحصائية

التحليل الاقتصادي يخاطر باختزال المعاناة الإنسانية إلى أرقام على صفحة. من الضروري تذكر ما تعنيه هذه الإحصائيات بالمصطلحات الإنسانية.

عندما نقول إن البطالة 85-90% في غزة، نعني أن آباء وأمهات يستيقظون كل صباح بلا طريقة لإعالة أطفالهم من خلال عمل كريم. عندما نقول إن 70-80% من المساكن تضررت أو دُمرت، نعني أن عائلات تعيش في خيام، في الأنقاض، في هياكل مبانٍ، بلا مأوى آمن. عندما نقول إن الناتج المحلي انكمش بنسبة 80-85%، نعني أن اقتصاداً كاملاً — المخابز والورش والعيادات والمدارس والأسواق والمشاريع الصغيرة التي شكّلت الحياة اليومية — قد مُحي.

هذه ليست إحصائيات مجردة. إنها تمثل التجربة المعاشة لـ 2.3 مليون شخص في غزة و3.2 مليون في الضفة الغربية يتحملون ظروفاً اقتصادية سيجدها المجتمع الدولي غير محتملة لو حدثت في أي مكان آخر على الأرض.

صمود الشعب الفلسطيني في مواجهة هذه الظروف ليس مجرد أمر مثير للإعجاب — إنه استثنائي تاريخياً. الاقتصادات تحت الحصار تنهار عادةً بالكامل؛ السكان الذين يواجهون هذا المستوى من الدمار يتفككون عادةً. أن الهياكل الاجتماعية والمؤسسات الثقافية والنشاط الاقتصادي الفلسطيني يستمر في العمل على أي مستوى هو شهادة على قوة جماعية لا يمكن لأي نموذج اقتصادي أن يلتقطها بشكل كافٍ.

ما يتطلبه التعافي: شروط التجديد الاقتصادي

يجب أن يبدأ أي نقاش صادق حول التعافي الاقتصادي الفلسطيني بالشروط التي تجعل التعافي ممكناً. هذه ليست أمنيات طموحة — إنها الحد الأدنى من المتطلبات التي سيحددها أي اقتصادي كضرورية لإعادة الإعمار:

  1. وقف إطلاق النار ووقف الدمار: لا يمكن أن يبدأ التعافي الاقتصادي بينما يستمر الدمار.
  2. رفع حصار غزة: إعادة الإعمار تتطلب التدفق الحر للمواد والمعدات والخبرات والأشخاص.
  3. الإفراج عن الإيرادات المالية الفلسطينية: إيرادات المقاصة المحتجزة ملك للشعب الفلسطيني وضرورية للحفاظ على الخدمات الحكومية الأساسية.
  4. حرية الحركة والتجارة: لا يمكن تحقيق الإمكانات الاقتصادية للضفة الغربية بينما يبقى الإقليم مفتتاً.
  5. استثمار دولي ضخم: إعادة إعمار غزة وحدها ستتطلب 50-80 مليار دولار على مدى 10-20 سنة.
  6. السيادة الاقتصادية: يجب استبدال بروتوكول باريس بترتيبات تمنح الفلسطينيين السيطرة على سياستهم التجارية وحدودهم ونظامهم النقدي.
  7. معالجة هجرة الأدمغة: خلق ظروف تشجع الفلسطينيين المهرة على استثمار مواهبهم في بناء الاقتصاد الفلسطيني.

اقتصاد الصمود: كيف ينجو الفلسطينيون ويتكيفون

رغم الحجم الساحق للدمار الاقتصادي، تستمر الحياة الاقتصادية الفلسطينية من خلال تكيف وصمود ملحوظين.

الاقتصاد غير الرسمي وشبكات المجتمع

توسع الاقتصاد غير الرسمي — الذي كان دائماً مهماً في فلسطين — بشكل كبير مع انهيار الهياكل الاقتصادية الرسمية. شبكات العائلة والمجتمع تعمل كشبكات أمان اجتماعي، تعيد توزيع الموارد بين أفراد العائلة الممتدة والجيران. تقليد الزكاة والوقف الإسلامي يوفر هياكل دعم إضافية تعمل باستقلال عن المؤسسات الرسمية.

التحويلات

زادت مجتمعات الشتات الفلسطيني حول العالم تدفقات التحويلات لدعم العائلات في الأراضي. تُقدر التحويلات بأنها زادت بنسبة 30-50% منذ بداية الأزمة. الشتات الفلسطيني، المقدر بـ 6-7 ملايين شخص حول العالم، يمثل مصدر دعم مالي فوري ومحرك محتمل للتعافي الاقتصادي المستقبلي.

تكيف الاقتصاد الرقمي

حيث يوجد اتصال، أظهر الفلسطينيون ابتكاراً ملحوظاً في استخدام المنصات الرقمية للنشاط الاقتصادي. العمل الحر والتعليم عبر الإنترنت والطب عن بعد والتجارة الرقمية وفرت دخلاً وخدمات تتجاوز القيود المادية.

المثابرة الزراعية

يواصل المزارعون الفلسطينيون زراعة الأرض تحت ظروف استثنائية. موسم الزيتون — المتجذر بعمق في الهوية الثقافية الفلسطينية — يستمر في الضفة الغربية رغم عنف المستوطنين والقيود العسكرية، مما يمثل عمل إنتاج اقتصادي ومقاومة ثقافية في آنٍ واحد.

المسؤولية الدولية: ما يدين به العالم لفلسطين

لم تحدث الأزمة الاقتصادية الفلسطينية في فراغ. إنها نتيجة تاريخ يمتد لأكثر من 75 عاماً من التهجير، واحتلال عسكري لأكثر من 57 عاماً، وحصار لغزة لأكثر من 17 عاماً، وتصعيد كارثي منذ أكتوبر 2023. يتحمل المجتمع الدولي مسؤولية ليس فقط عن الاستجابة الإنسانية بل عن معالجة الظروف الهيكلية التي خلقت هذه الأزمة.

هذه المسؤولية ليست إحساناً — إنها التزام. القانون الدولي، بما فيه اتفاقية جنيف الرابعة، يتطلب من قوى الاحتلال ضمان رفاه السكان المحتلين.

الشعب الفلسطيني لا يفتقر إلى الموهبة أو العزيمة أو الرؤية لبناء اقتصاد مزدهر. إنه يفتقر إلى الحرية للقيام بذلك. كل مؤشر اقتصادي في هذا التحليل يعود في النهاية إلى سبب واحد: حرمان الفلسطينيين من السيادة الاقتصادية والحرية.

الأرقام في هذا المقال ستتغير مع توفر بيانات جديدة. بعضها قد يتحسن هامشياً؛ وبعضها قد يسوء. لكن حتى تتغير الظروف الأساسية — حتى يملك الفلسطينيون حرية التجارة والتنقل والبناء والاستثمار وحكم مصيرهم الاقتصادي — ستستمر هذه الأرقام في سرد نفس القصة: قصة اقتصاد لا ينبغي أن ينجو، يحافظ عليه شعب يرفض أن يختفي.

اقتصاد فلسطين ليس مجرد أرقام في جدول بيانات. إنه الفعل اليومي لشعب يختار أن يعيش، أن يعمل، أن يعلّم أطفاله، وأن يزرع أشجار زيتون سيحصدها أحفاده — حتى عندما يبدو العالم مصمماً على منع ذلك. هذا ليس مجرد صمود اقتصادي. إنه أعمق أشكال الكرامة الإنسانية.