لم يكن الأسبوع الأخير من فبراير وبداية مارس 2026 أسبوعاً عادياً في منطقة الخليج. فبين ضربات عسكرية غير مسبوقة وأزمة ملاحية تاريخية وقرارات نفطية تبدو متناقضة، تشكّلت ملامح واقع اقتصادي جديد يحتاج إلى قراءة أعمق مما تقدمه العناوين السريعة.
في هذا الملخص الأسبوعي، لا نكتفي بسرد الأحداث — بل نكشف الزوايا التي أغفلها معظم المحللين، والفجوات التي ستحدد مسار الأسواق في الأسابيع المقبلة.
1. أزمة هرمز: ليست حصاراً عسكرياً… بل انهيار تأميني
بعد عملية “الغضب الملحمي” الأمريكية-الإسرائيلية ضد إيران في 28 فبراير، ردّت طهران بهجمات صاروخية على قواعد أمريكية في الخليج وأهداف إسرائيلية. لكن التأثير الأكبر لم يكن في الصواريخ — بل في قرار شركات التأمين البحري.
ألغت شركات التأمين الكبرى تغطية مخاطر الحرب للسفن العابرة لمضيق هرمز، مما أدى فعلياً إلى إغلاق المضيق تجارياً دون حصار عسكري رسمي. انخفضت حركة الناقلات بنحو 70%، وعلقت أكثر من 150 سفينة خارج المضيق. أوقفت شركات ميرسك وMSC وهاباغ لويد وCMA CGM عملياتها عبر المضيق.
لماذا هذا مهم؟ لأن 20-30% من إمدادات النفط والغاز العالمية تمر عبر هرمز. وعندما تختفي التغطية التأمينية، لا تحتاج إيران لإغراق سفينة واحدة — السوق يغلق نفسه. هذه الزاوية غابت عن معظم التغطيات الإعلامية التي ركّزت على العمليات العسكرية فقط.
2. النفط يقفز 13%: ولكن ماذا لو تجاوز 100 دولار؟
قفز خام برنت بنسبة تصل إلى 13% ليصل إلى أعلى مستوى في 8 أشهر، فيما ارتفع الذهب فوق 5,300 دولار للأونصة مسجلاً أرقاماً قياسية جديدة.
المحللون يميزون بين سيناريوهين:
- سيناريو 80 دولاراً: صراع قصير الأمد، تأثير محدود على الاقتصاد العالمي
- سيناريو 100+ دولار: تحوّل نوعي يضرب النمو العالمي ويعيد شبح التضخم
المفارقة: ارتفاع أسعار النفط يفيد ميزانيات دول الخليج المنتجة على المدى القصير، لكنه يضر بقطاعات غير نفطية حيوية مثل السياحة والطيران والتجارة — وهي القطاعات التي تراهن عليها رؤية 2030 ورؤى التنويع الخليجية.
3. مفارقة أوبك+: زيادة الإنتاج في ذروة الأزمة
في توقيت يبدو متناقضاً، قررت أوبك+ بقيادة السعودية وروسيا إضافة 206,000 برميل يومياً بدءاً من أبريل، بعد تجميد الزيادات خلال الربع الأول.
ما الذي فاتَ المحللين؟ القرار ليس متناقضاً كما يبدو. فمع إغلاق هرمز الفعلي، البراميل الإضافية من السعودية والعراق والكويت قد لا تصل فعلياً إلى الأسواق. القرار سياسي بقدر ما هو اقتصادي — إشارة للأسواق بأن المعروض متاح نظرياً، حتى لو كانت لوجستيات الشحن تقول عكس ذلك.
4. عجز ميزانية السعودية: سؤال الاستدامة المالية
كشفت بيانات الربع الرابع 2025 عن عجز فصلي بلغ 25.3 مليار دولار، ليصل إجمالي العجز السنوي إلى 73.6 مليار دولار — أي ما يعادل 5.5% من الناتج المحلي الإجمالي، وأكثر من ضعف مستوى 2024.
ارتفع الدين العام إلى 1.52 تريليون ريال مقارنة بـ 1.22 تريليون في نهاية 2024. والسبب واضح: إنفاق متسارع على مشاريع رؤية 2030 في وقت تتراجع فيه إيرادات النفط.
الفجوة التحليلية: معظم التغطيات تكتفي بنقل الأرقام دون طرح السؤال الأهم — هل يمكن الاستمرار بهذا المعدل؟ إذا افترضنا أسعار نفط مرتفعة مؤقتاً بسبب أزمة هرمز، فإنها قد تخفف الضغط المالي على المدى القصير. لكن الاعتماد على أزمة جيوسياسية لتمويل التنويع الاقتصادي هو مفارقة بحد ذاتها.
5. خروج الإمارات من مؤشر الأسواق الناشئة: ماذا يعني للمستثمرين؟
أعلن جي بي مورغان إزالة الإمارات من مؤشر سندات الأسواق الناشئة (EMBI) على أربع مراحل بين 31 مارس و30 يونيو، بعد تجاوزها مقاييس الثروة لثلاث سنوات متتالية. تمثل الإمارات 4.1% من المؤشر.
ما لم يُقال: مئات المليارات من الدولارات تتبع هذا المؤشر. الصناديق السلبية وصناديق المؤشرات المتداولة ستضطر لتقليص تعرضها للإمارات تدريجياً. في الظاهر، هذا “ترقية” — الإمارات أصبحت أغنى من أن تكون سوقاً ناشئة. لكن عملياً، قد يعني تدفقات خارجة مؤقتة وتقلبات في سوق السندات الإماراتي.
في المقابل، أُضيفت السعودية إلى قائمة المراقبة لمؤشر سندات الأسواق الناشئة في سبتمبر 2025 — مما يشير إلى مسار عكسي تماماً.
6. جي بي مورغان يخفض توقعات النمو غير النفطي للخليج
خفض البنك توقعاته للنمو غير النفطي في 2026:
- البحرين: -0.5 نقطة مئوية
- الإمارات: -0.4 نقطة مئوية
- قطر: -0.3 نقطة مئوية
- السعودية والكويت: -0.2 نقطة مئوية
- عُمان: بدون تغيير
البحرين الأكثر تأثراً — وهذا منطقي، فقد تعرضت لهجمات مباشرة على القاعدة البحرية الأمريكية في الجفير، مما أدى لإخلاء مناطق سكنية وأضرار في مبانٍ وفنادق.
7. تاسي: تقلبات حادة والمؤشر يخسر 12.8% سنوياً
أغلق مؤشر السوق السعودي عند 10,489 نقطة يوم الاثنين بارتفاع طفيف 0.13%. لكن الصورة الأكبر قاتمة: المؤشر خسر 7.3% خلال الشهر الماضي و12.8% مقارنة بنفس الفترة العام الماضي.
اللافت أن 189 سهماً من أصل 267 مدرجاً انخفضت، بينما ارتفع 74 فقط. الصعود الطفيف للمؤشر الرئيسي جاء مدفوعاً بارتفاع أرامكو التي تمثل وحدها 67.6% من القيمة السوقية الإجمالية — مما يعني أن السوق الحقيقي أسوأ بكثير مما يوحي به الرقم الرئيسي.
8. الأسواق العالمية: الذعر ثم التعافي الجزئي
يوم الاثنين 2 مارس، فتحت وول ستريت على انخفاض حاد قبل أن تتعافى جزئياً. أغلق مؤشر S&P 500 بارتفاع 0.1% وناسداك بارتفاع 0.5%، بينما تراجع مؤشر Stoxx 600 الأوروبي بنسبة 1.6% وانخفض نيكاي 225 بنسبة 1.35%.
أسهم شركات الطيران الأمريكية هبطت: أمريكان إيرلاينز (-3.6%)، دلتا (-2.3%)، يونايتد (-2.9%). الذهب تجاوز 5,300 دولار محققاً مستويات قياسية جديدة كملاذ آمن.
الخلاصة: خريطة مخاطر جديدة
ما يميز هذا الأسبوع ليس حجم الأحداث فحسب، بل تقاطعها. أزمة هرمز ليست مجرد مسألة عسكرية — إنها أزمة تأمين وشحن ولوجستيات. عجز الميزانية السعودية ليس مجرد رقم — إنه سؤال عن استدامة أكبر مشروع تحول اقتصادي في العالم. وقرار أوبك+ بزيادة الإنتاج ليس خبراً روتينياً — بل مناورة سياسية في ظل حرب فعلية.
المستثمر الذكي لا يقرأ العناوين — بل يقرأ ما بينها. وهذا بالضبط ما حاولنا تقديمه في هذا الملخص.
