مع اقتراب شهر رمضان المبارك من أيامه الأخيرة في مارس 2026، تكشف البيانات الاقتصادية عن موسم استهلاكي استثنائي في المملكة العربية السعودية. من قطاع التجزئة إلى التجارة الإلكترونية، ومن صناعة الأغذية إلى قطاع الترفيه، يُعيد رمضان رسم خريطة الإنفاق السعودي بأرقام تعكس حجم التحولات الاقتصادية التي تشهدها المملكة.
في عام يتميز بتوترات جيوسياسية وارتفاع أسعار النفط، يبقى رمضان المحرك الأقوى للاستهلاك المحلي في أكبر اقتصاد عربي. التقديرات تشير إلى أن إجمالي الإنفاق الاستهلاكي خلال الشهر الكريم قد يصل إلى 65 مليار ريال سعودي (17.3 مليار دولار)، بزيادة 12% عن رمضان 2025.
الإنفاق الاستهلاكي: أرقام قياسية
نمو غير مسبوق في قطاع التجزئة
سجل قطاع التجزئة السعودي نمواً بنسبة 18% على أساس سنوي خلال النصف الأول من رمضان 2026، وفقاً لبيانات مؤسسة النقد العربي السعودي (ساما). عمليات الدفع الإلكتروني عبر نقاط البيع ارتفعت إلى 42.8 مليار ريال في الأسبوعين الأولين من الشهر، مقارنة بـ36.2 مليار ريال في الفترة نفسها من رمضان 2025.
الإنفاق على المواد الغذائية يمثل الحصة الأكبر بنسبة 34% من إجمالي الإنفاق الرمضاني، يليه قطاع الملابس والأزياء بنسبة 19%، ثم المطاعم والمقاهي بنسبة 15%. اللافت هو النمو المتسارع لقطاع الترفيه الذي قفزت حصته إلى 11% من الإنفاق الكلي، مقارنة بـ7% فقط قبل ثلاث سنوات.
الطبقة الوسطى تقود الإنفاق
تشير بيانات بطاقات الائتمان إلى أن الأسر ذات الدخل المتوسط (15,000-30,000 ريال شهرياً) هي الأكثر إنفاقاً نسبياً خلال رمضان، مع ارتفاع إنفاقها بنسبة 23% مقارنة بالأشهر العادية. هذا يعكس عمق ثقافة الكرم والتجمعات العائلية في الموسم الرمضاني.
التجارة الإلكترونية: طفرة رمضانية
شهدت منصات التجارة الإلكترونية في السعودية أداءً استثنائياً خلال رمضان 2026. منصة نون أعلنت عن زيادة في الطلبات بنسبة 45% مقارنة برمضان العام الماضي، بينما سجلت أمازون السعودية ارتفاعاً بنسبة 38%. الفئات الأكثر طلباً تشمل الإلكترونيات والأدوات المنزلية وهدايا العيد.
إجمالي مبيعات التجارة الإلكترونية خلال رمضان 2026 يُقدر بـ9.2 مليار ريال (2.45 مليار دولار)، مما يمثل 14% من إجمالي الإنفاق الرمضاني. هذه النسبة ارتفعت من 8% فقط في رمضان 2022، مما يعكس التحول الرقمي السريع في سلوك المستهلك السعودي.
التوصيل والخدمات اللوجستية
قطاع التوصيل شهد ضغطاً هائلاً مع ارتفاع الطلب. شركات التوصيل مثل مرسول وهنقرستيشن وجاهز سجلت أوقات ذروة غير مسبوقة خلال ساعات ما بعد الإفطار. متوسط الطلبات اليومية على منصات توصيل الطعام ارتفع بنسبة 62% مقارنة بالأشهر العادية، مع تركيز على الوجبات العائلية الكبيرة.
قطاع الأغذية والمشروبات
ارتفاع الأسعار والتضخم الموسمي
رغم جهود الحكومة للسيطرة على الأسعار، سجلت بعض السلع الغذائية الأساسية ارتفاعات ملحوظة. أسعار اللحوم ارتفعت بنسبة 8-12% خلال رمضان 2026، بينما شهدت الخضروات والفواكه زيادات تراوحت بين 5% و15% حسب النوع والموسمية. التمور، السلعة الرمضانية الأيقونية، حافظت على استقرار نسبي في الأسعار بفضل الإنتاج المحلي الوفير الذي يتجاوز 1.5 مليون طن سنوياً.
المطاعم والضيافة
قطاع المطاعم حقق أرقاماً قوية مع تزايد ثقافة الإفطارات الخارجية. فنادق الخمس نجوم في الرياض وجدة تقدم بوفيهات إفطار بأسعار تتراوح بين 250 و600 ريال للشخص، مع نسب حجز تتجاوز 90% في عطلات نهاية الأسبوع. هذا النمط يعكس تغيراً في سلوك المستهلك السعودي نحو تجارب الطعام الاجتماعية.
قطاع الترفيه: موسم الرياض يقود النمو
يتزامن رمضان 2026 مع الأسابيع الأخيرة من موسم الرياض، مما يخلق تأثيراً مضاعفاً على الإنفاق الترفيهي. الهيئة العامة للترفيه أعلنت عن أكثر من 120 فعالية رمضانية عبر المملكة، تشمل مهرجانات الطعام والأسواق الليلية والعروض الثقافية.
إيرادات قطاع الترفيه خلال رمضان 2026 تُقدر بـ3.8 مليار ريال، بزيادة 25% عن العام الماضي. دور السينما سجلت نمواً بنسبة 31% في مبيعات التذاكر خلال الأسبوعين الأولين من الشهر، مع إقبال كبير على العروض العائلية في ساعات ما بعد التراويح.
حركة العمرة والسياحة الدينية
يستقطب رمضان ملايين المعتمرين إلى مكة المكرمة والمدينة المنورة. بيانات وزارة الحج والعمرة تشير إلى استقبال أكثر من 8.5 مليون معتمر خلال رمضان 2026، بزيادة 15% عن العام السابق. هذا التدفق يضخ مليارات الريالات في اقتصادات مكة والمدينة والمناطق المحيطة.
الإنفاق المرتبط بالعمرة والسياحة الدينية يُقدر بـ22 مليار ريال خلال الموسم الرمضاني، شاملاً الإقامة والنقل والتسوق والمأكولات. فنادق المنطقة المركزية في مكة تسجل نسب إشغال تقترب من 100% خلال العشر الأواخر من رمضان.
التأثير على سوق الأسهم السعودي
تاريخياً، يشهد مؤشر تداول (تاسي) أداءً إيجابياً خلال رمضان، مدفوعاً بتفاؤل المستثمرين وارتفاع أرباح قطاعات التجزئة والأغذية. في رمضان 2026، حقق المؤشر عائداً بنسبة 2.8% حتى منتصف الشهر، رغم الضغوط الناجمة عن التوترات الجيوسياسية.
أسهم شركات التجزئة الكبرى سجلت أداءً متميزاً: جرير ارتفع 7.2%، وإكسترا 5.8%، والعثيم 4.9%. أسهم شركات الأغذية أيضاً استفادت من الموسم، مع ارتفاع سهم المراعي بنسبة 3.6% وسهم صافولا بنسبة 4.1%.
ماذا بعد رمضان؟ استعداد لعيد الفطر
مع اقتراب عيد الفطر المتوقع في أواخر مارس أو مطلع أبريل 2026، يستعد الاقتصاد السعودي لموجة إنفاق ثانية. تاريخياً، يمثل إنفاق العيد 35-40% من إجمالي الإنفاق الرمضاني الكلي، مع التركيز على:
- الملابس والأزياء: ارتفاع متوقع بنسبة 40% مقارنة بالأسابيع العادية
- الهدايا والعيديات: سوق يُقدر بـ4.5 مليار ريال
- السفر: حجوزات الرحلات الداخلية والخارجية ترتفع بنسبة 55%
- المطاعم: تضاعف الحجوزات في مطاعم الدرجة الأولى
اقتصاد رمضان 2026 في السعودية يؤكد أن التحولات الهيكلية في أنماط الاستهلاك تتعمق عاماً بعد عام. التجارة الإلكترونية تنمو، وقطاع الترفيه يتوسع، والإنفاق يتنوع بعيداً عن الأنماط التقليدية. هذه التحولات تمثل فرصاً استثمارية حقيقية للمستثمرين الذين يفهمون ديناميكيات السوق السعودي ودورته الموسمية.
تابعوا The Middle East Insider لتحليلات معمقة حول اقتصاد العيد والربع الثاني من 2026 في المملكة العربية السعودية.
