منذ 28 فبراير 2026، لم يعد مضيق هرمز مجرد ممر ملاحي — بل تحوّل إلى سلاح اقتصادي. بعد الضربات الأمريكية-الإسرائيلية على إيران، أعلن الحرس الثوري الإيراني حظر مرور السفن عبر المضيق. انخفضت حركة الملاحة بنسبة 70% خلال الأيام الأولى ثم توقفت تماماً. أكثر من 150 سفينة رست خارج المضيق في انتظار الإذن بالعبور. قفز خام برنت إلى 92.69 دولاراً للبرميل — في أكبر مكسب أسبوعي في تاريخ العقود الآجلة — بينما بلغ خام غرب تكساس الوسيط 90.90 دولاراً. وتوقع بنك جي بي مورغان أن التخفيضات قد تتجاوز 4 ملايين برميل يومياً.
ما يجعل هذه الأزمة مختلفة عن سابقاتها ليس فقط حجم التعطيل، بل أنها كشفت عن هشاشة اقتصادات بأكملها مبنية على افتراض واحد: أن هذا الممر المائي الضيق — بعرض 33 كيلومتراً فقط في أضيق نقاطه — سيبقى مفتوحاً دائماً.
خريطة الخسائر: دولة بدولة
الكويت: حقل الرميلة يتوقف والخسائر 200 مليون دولار يومياً
أُجبرت الكويت على إيقاف الإنتاج في حقل الرميلة بعد امتلاء خزانات التخزين بالكامل. بطاقة إنتاجية تبلغ 2.4 مليون برميل يومياً، تخسر الكويت ما يقارب 200 مليون دولار يومياً من عائدات النفط المفقودة. والأخطر أن الكويت لا تملك بنية تحتية بديلة لتصدير النفط — لا خطوط أنابيب تتجاوز المضيق، ولا منافذ على البحر الأحمر. كل برميل كويتي يجب أن يعبر هرمز.
قطر: القوة القاهرة على أكبر صادرات الغاز في العالم
في 4 مارس، أعلنت قطر القوة القاهرة على عقود الغاز الطبيعي المسال بعد هجمات بطائرات مسيّرة استهدفت منشآت التصدير. كأكبر مصدّر للغاز المسال في العالم، أرسل هذا الإعلان موجات صدمة عبر أسواق الطاقة العالمية. وحذّر وزير الطاقة القطري من أن دولاً أخرى قد تضطر لاتخاذ خطوات مماثلة. وأشار خبراء القطاع إلى أن استعادة العمليات الكاملة قد تستغرق شهراً على الأقل حتى بعد انتهاء الأعمال العدائية.
العراق: الرميلة والموازنة الهشة
على الجانب العراقي، بدأ حقل الرميلة — أكبر حقول العراق — في تخفيض الإنتاج بسبب نفاد مساحات التخزين. بصادرات تبلغ 3.3 مليون برميل يومياً وموازنة تعتمد بنسبة 93% على النفط، يواجه العراق أزمة مالية وجودية. لا خطوط أنابيب بديلة فعّالة، والبنية التحتية للتخزين محدودة، والاحتياطيات المالية لا تكفي لتغطية النفقات لأشهر طويلة.
الإمارات: أزمة أمنية واقتصادية مزدوجة
تضررت الإمارات على جبهتين: أولاً، تعطّلت حركة الشحن واللوجستيات في ميناء جبل علي — أكبر ميناء في المنطقة. ثانياً، تعرضت بنية تحتية حيوية لأضرار بما فيها منشآت المطار. تواجه الإمارات مزيجاً نادراً من التهديدات الأمنية والاقتصادية المتزامنة، مما يضع ضغطاً على نموذجها كمركز تجاري ولوجستي إقليمي.
السعودية: الميزة الاستراتيجية الوحيدة
تبرز السعودية كالدولة الخليجية الوحيدة التي تملك بديلاً عملياً: خط أنابيب شرق-غرب بطاقة 5 ملايين برميل يومياً يربط حقول النفط الشرقية بميناء ينبع على البحر الأحمر، متجاوزاً مضيق هرمز بالكامل. لكن هذه الطاقة لا تغطي كامل الإنتاج السعودي، ولا يمكن مشاركتها مع دول الجوار. إنها ميزة استراتيجية حقيقية لكنها ليست حلاً شاملاً.
السلاح الخفي: التأمين البحري
ما لا يدركه كثيرون هو أن التأمين — وليس الحصار العسكري — هو ما أغلق المضيق فعلياً. سحبت شركات التأمين البحري تغطيتها للسفن العابرة للمنطقة. لا مالك سفينة يخاطر بمئات الملايين من الدولارات دون تغطية تأمينية. حققت أقساط التأمين ما لم يحققه الحصار العسكري وحده.
الأخطر أن إعادة فتح المضيق لا تعني عودة التأمين فوراً. تحتاج شركات التأمين أسابيع لإعادة تقييم المخاطر بعد انتهاء القتال. هذا يعني أن حتى وقف إطلاق النار لن ينهي الأزمة فوراً — ستبقى السفن راسية حتى تعود التغطية التأمينية.
أوبك+ في مأزق
رفعت أوبك+ إنتاجها بمقدار 206 آلاف برميل يومياً مقابل 137 ألف برميل كانت متوقعة. لكن هذه الزيادة تبدو ضئيلة أمام تعطّل 4 ملايين برميل يومياً. والمفارقة الأكبر: معظم الدول المنتجة تحتاج نفس المضيق لتصدير نفطها. لا يمكنك زيادة الإنتاج إذا لم تستطع شحنه.
وضعت الأزمة أوبك+ في موقف لا تُحسد عليه: الأسعار مرتفعة بشكل غير مسبوق، لكن الإيرادات الفعلية لمعظم الأعضاء في انخفاض حاد لأنهم لا يستطيعون البيع. إنه سيناريو كابوسي للمنتجين: أسعار قياسية بلا مبيعات.
التداعيات العالمية
تتجاوز تداعيات أزمة هرمز حدود الخليج بكثير. يتوقع بنك غولدمان ساكس أن التضخم الأمريكي قد يرتفع من 2.4% إلى 3% في حال استمرار الإغلاق. أسعار البنزين في الولايات المتحدة قد ترتفع 43 سنتاً لتصل إلى 3.41 دولار للغالون. وانخفض مؤشر S&P 500 بنسبة 2% منذ بداية الأزمة.
على صعيد الشحن العالمي، أعلنت شركات ميرسك وCMA CGM وهاباغ لويد إعادة توجيه سفنها حول رأس الرجاء الصالح — مما يضيف 10 إلى 14 يوماً لرحلات الشحن ويرفع التكاليف بنسبة 20-30%. هذا التحويل يخلق اختناقات في موانئ أخرى ويزيد الضغط على سلاسل التوريد العالمية المتوترة أصلاً.
ماذا بعد؟
يعتمد مسار الأزمة على عاملين حاسمين. الأول هو المدة: كل يوم إضافي لا يسبب ضرراً خطياً بل أُسّياً. عندما تمتلئ الخزانات، يبدأ تخفيض الإنتاج. وتخفيض الإنتاج لفترات طويلة قد يؤدي إلى فقدان طاقة إنتاجية يصعب استعادتها.
العامل الثاني هو سلوك شركات التأمين. حتى لو توقف القتال غداً، ستحتاج شركات التأمين أسابيع لإعادة تقييم المخاطر وإصدار تغطيات جديدة. خلال تلك الأسابيع، يبقى المضيق مغلقاً عملياً حتى لو كان مفتوحاً نظرياً.
يحذر بنكا باركليز وغولدمان ساكس من أن استمرار الإغلاق قد يدفع أسعار النفط فوق 100 دولار للبرميل. وفي سيناريو الإغلاق المطوّل، يصبح السؤال ليس عن السعر — بل عن توفر النفط أصلاً في الأسواق.
أزمة مضيق هرمز 2026 ليست مجرد حدث جيوسياسي — إنها اختبار وجودي لنموذج اقتصادي بنته دول الخليج على مدى عقود. نموذج يفترض أن 33 كيلومتراً من الماء ستبقى مفتوحة دائماً. هذا الافتراض ثبت خطؤه.
