في 28 فبراير 2026، بدأت الولايات المتحدة وإسرائيل عملية “الغضب الملحمي” (Epic Fury) ضد إيران — أكبر عملية عسكرية أمريكية في الشرق الأوسط منذ غزو العراق عام 2003. خلال 100 ساعة فقط، أنفقت واشنطن 3.7 مليار دولار على العمليات العسكرية. وبينما تتصاعد الضربات التي تجاوزت 2,000 غارة جوية، يجد الشرق الأوسط نفسه مرة أخرى في قلب حرب لم يخترها — لكنه يدفع ثمنها بالكامل.
هذا التقرير يرصد الأنماط المتكررة في السياسة الأمريكية-الإسرائيلية تجاه المنطقة، ويحلل كيف تتشابك المصالح الاقتصادية والعسكرية والجيوسياسية لتشكيل خريطة سيطرة ممتدة من بغداد إلى طرابلس إلى طهران — وكيف أصبحت دول الخليج والعالم العربي جزءاً من هذه المعادلة، طوعاً أو قسراً.
النمط المتكرر: من العراق 2003 إلى إيران 2026
لفهم ما يحدث في مارس 2026، يجب العودة إلى ما حدث قبله. فالتاريخ الأمريكي في الشرق الأوسط منذ عام 2001 يكشف نمطاً واضحاً يتكرر بدقة ملفتة: تحديد نظام عربي أو إسلامي باعتباره “تهديداً”، وتصعيد الخطاب الإعلامي والدبلوماسي، ثم التدخل العسكري تحت مبررات تتغير مع الوقت — من أسلحة الدمار الشامل في العراق، إلى “حماية المدنيين” في ليبيا، إلى “منع إيران من امتلاك سلاح نووي” في 2026.
في العراق عام 2003، كان المبرر أسلحة دمار شامل لم تُوجد قط. في ليبيا عام 2011، تحولت منطقة حظر طيران أممية لحماية المدنيين إلى حرب شاملة أسقطت النظام. في سوريا، استُخدمت ذرائع الأسلحة الكيماوية لتبرير ضربات متكررة. وفي كل حالة، كانت النتيجة واحدة: انهيار الدولة المستهدفة، وفوضى مستمرة، واستفادة اقتصادية وعسكرية أمريكية-إسرائيلية.
الرئيس ترامب نفسه أعلن في 13 فبراير 2026 أن تغيير النظام في إيران سيكون “أفضل ما يمكن أن يحدث” — وبعد أسبوعين فقط بدأت الغارات. المبررات الرسمية تراوحت بين “تهديد وشيك” و”تدمير القدرات الصاروخية” و”منع السلاح النووي” و”إسقاط النظام”. تعدد المبررات وتضاربها هو بحد ذاته نمط مألوف لكل من تابع مقدمات حرب العراق.
الثمن الذي يدفعه الشرق الأوسط: الإمارات ودبي نموذجاً
بينما تقصف الطائرات الأمريكية والإسرائيلية إيران، يدفع الشرق الأوسط — وليس واشنطن أو تل أبيب — الثمن الأكبر. في 28 فبراير 2026، أطلقت إيران 165 صاروخاً باليستياً وصاروخي كروز و541 طائرة مسيّرة انتقاماً لمقتل المرشد الأعلى علي خامنئي. معظمها اعتُرض، لكن 21 طائرة مسيّرة أصابت أهدافاً مدنية في الإمارات والبحرين وقطر — دول لم تشارك في الحرب لكنها تستضيف قواعد أمريكية.
في دبي، اندلع حريق ضخم في ميناء جبل علي — تاسع أكبر ميناء حاويات في العالم والشريان الاقتصادي الذي يمثل 36% من الناتج المحلي لدبي. علّقت موانئ دبي العالمية عملياتها. تضرر مطار دبي الدولي بخسائر تُقدر بمليون دولار في الدقيقة. أُصيب فندق برج العرب بشظايا صواريخ اعتراضية. أُلغي أكثر من 70% من الرحلات الجوية إلى الإمارات وقطر والبحرين.
هذه الدول لم تُعلن الحرب على إيران. لم تشارك في “عملية الغضب الملحمي”. بل رفضت السماح للولايات المتحدة بشن هجمات من قواعدها. ومع ذلك، دفعت الثمن — لأنها تستضيف وجوداً عسكرياً أمريكياً جعلها أهدافاً بالوكالة.
المفارقة الأعمق: التجارة غير النفطية للإمارات تجاوزت تريليون دولار في 2025 للمرة الأولى. اقتصاد بُني على الانفتاح والتجارة والسياحة يتعرض لضربة بسبب حرب لم يخترها — وهذا بالضبط ما حذرت منه دول الخليج حين حاولت ثني واشنطن عن التصعيد.
اتفاقيات أبراهام: التطبيع الاقتصادي كمقدمة للتورط الأمني
لفهم كيف وصلت دول الخليج إلى هذا الموقف، يجب تحليل اتفاقيات أبراهام التي وُقّعت في 2020 بين إسرائيل والإمارات والبحرين والمغرب. هذه الاتفاقيات لم تكن مجرد تطبيع دبلوماسي — بل كانت صفقة اقتصادية-أمنية شاملة: الاعتراف بإسرائيل مقابل الحماية والأرباح.
النتائج الاقتصادية كانت ملموسة: تجاوزت التجارة الثنائية بين إسرائيل والإمارات 3 مليارات دولار سنوياً بحلول 2026. أُبرمت صفقة غاز طبيعي بقيمة 36 مليار دولار تربط إسرائيل بمصر وشركاء أمريكيين. صفقات بمليارات الدولارات في الرعاية الصحية والخدمات المالية والطاقة المتجددة. تبادل استخباراتي معمّق وتدريبات عسكرية مشتركة.
لكن المعادلة الأعمق كانت واضحة منذ البداية: إسرائيل تحصل على اعتراف ووصول إلى أسواق الشرق الأوسط، والعائلات الحاكمة في الخليج تحصل على حماية وأرباح. هذا ما وصفه تحليل صادر عن MERIP بأنه “مقايضة بين الحماية والأرباح” — وهو وصف يكتسب أبعاداً جديدة في مارس 2026 حين أصبحت تلك “الحماية” سبباً في تعرض هذه الدول لهجمات إيرانية.
في يناير 2026، توسعت اتفاقيات أبراهام لتشمل كازاخستان — أول دولة في آسيا الوسطى تنضم إلى الإطار — بشراكة تركز على الأمن السيبراني وإدارة المياه. هذا التوسع يكشف أن المشروع ليس إقليمياً فحسب، بل يسعى لبناء منظومة تحالفات اقتصادية-أمنية تمتد من الخليج العربي إلى آسيا الوسطى — وإسرائيل في مركزها.
صفقات الأسلحة: 16 مليار دولار في شهر واحد
في 30 يناير 2026 — قبل شهر واحد فقط من بدء الحرب — وافقت الولايات المتحدة على صفقات أسلحة بقيمة إجمالية تقارب 16 مليار دولار: 6.67 مليار دولار لإسرائيل (تشمل 30 مروحية أباتشي هجومية بقيمة 3.8 مليار دولار و3,250 مركبة تكتيكية خفيفة بقيمة 1.98 مليار دولار)، و9 مليارات دولار للمملكة العربية السعودية (تشمل 730 صاروخ باتريوت ومعدات ذات صلة).
التوقيت يستحق التأمل: صفقات أسلحة ضخمة تُوقَّع بينما الإدارة الأمريكية “تدرس” ضرب إيران. السعودية تحصل على صواريخ دفاعية ستحتاجها بالضبط في السيناريو الذي ستتسبب به واشنطن بعد أسابيع. وإسرائيل تحصل على مروحيات هجومية وآليات عسكرية قبل شن عملية عسكرية كبرى.
ثم في مارس 2026 — بعد بدء الحرب — وافقت وزارة الخارجية الأمريكية على بيع “طارئ” لقنابل تزن 1,000 رطل بقيمة 151.8 مليون دولار لإسرائيل، متجاوزة موافقة الكونغرس بإصدار وزير الخارجية ماركو روبيو إعفاءً خاصاً. كلمة “طارئ” هنا تعني عملياً: تجاوز الرقابة الديمقراطية لتسليح حليف في حرب جارية.
السؤال الذي يطرح نفسه: من يستفيد من هذه الحرب اقتصادياً؟ شركات الدفاع الأمريكية — لوكهيد مارتن، رايثيون، بوينغ — تشهد أعلى طلب على منتجاتها منذ سنوات. البنتاغون يُعدّ طلباً بقيمة 50 مليار دولار كإنفاق طوارئ لتعويض الذخائر المستخدمة. وتكلفة العملية تصل إلى مليار دولار يومياً — أموال تتدفق مباشرة إلى المجمع الصناعي العسكري الأمريكي.
مصر: الحياد المُكلف والتبعية الاقتصادية
في هذه المعادلة الإقليمية، يحتل موقف مصر مكانة خاصة تستحق التحليل. فمصر — أكبر دولة عربية سكاناً والقوة العسكرية الأبرز في شمال أفريقيا — تقف على الهامش بينما تُعاد رسم خريطة الشرق الأوسط. الرئيس عبد الفتاح السيسي حذّر من أن مصر في “حالة شبه طوارئ” اقتصادية بسبب تداعيات الحرب التي ترفع الأسعار وتضغط على الاقتصاد.
لكن مصر عاجزة عن اتخاذ موقف مستقل حقيقي. فالقاهرة تعتمد على برامج صندوق النقد الدولي والمساعدات الأمريكية التي تبلغ نحو 1.3 مليار دولار سنوياً — وأي موقف يُغضب واشنطن قد يعرّض هذه المساعدات للخطر. هذه التبعية الاقتصادية تُحوّل الحياد من “خيار استراتيجي” إلى “إجبار اقتصادي”.
تحليل صادر عن مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات الأمريكية كشف أن مصر ترسل “رسائل متضاربة” بشأن موقفها من الحرب — وهو ما يعكس محاولة القاهرة الموازنة بين الضغط الأمريكي والرأي العام الداخلي الرافض للحرب. التقرير طالب مصر بأن “تُبرز صراحة مصالحها المشتركة مع واشنطن” — وهو مطلب يكشف طبيعة العلاقة: ليست شراكة بين نظيرين، بل علاقة تبعية يُملي فيها الطرف الأقوى شروط الولاء.
صفقة الغاز الطبيعي البالغة 36 مليار دولار بين إسرائيل ومصر وشركاء أمريكيين تُجسّد هذا النموذج: ربط مصر باقتصاد الطاقة الإسرائيلي يجعل أي موقف سياسي مستقل مكلفاً اقتصادياً. وهذا بالضبط ما يقصده المحللون حين يتحدثون عن “التطبيع كأداة إدماج” — إدماج الدول العربية في منظومة اقتصادية تجعل الخروج منها أكثر تكلفة من البقاء فيها.
دول الخليج: بين مطرقة إيران وسندان أمريكا
وضع دول مجلس التعاون الخليجي في مارس 2026 يلخّص المأزق الأوسع الذي تعيشه المنطقة. فهذه الدول لم تُرد هذه المواجهة. قبل الحرب، بذلت السعودية وقطر وعُمان جهوداً دبلوماسية مكثفة لإقناع واشنطن بتجنب العمل العسكري. السعودية كانت قد توصلت في 2023 إلى اتفاق تهدئة مع إيران برعاية صينية — وهو اتفاق تبخّر الآن.
حتى بعد بدء الحرب، رفضت دول الخليج السماح للولايات المتحدة بشن هجمات من قواعدها على أراضيها. لكن ذلك لم يحمِها. إيران استهدفت الأصول الأمريكية في هذه الدول بغض النظر عن موقفها السياسي. النتيجة: دول حاولت الحياد وجدت نفسها في خط النار — ليس لأنها أعلنت الحرب، بل لأن الوجود العسكري الأمريكي على أراضيها جعلها أهدافاً.
السعودية تحديداً شهدت تحولاً لافتاً. بعد الهجمات الإيرانية المباشرة على أراضيها، تخلّت الرياض عن موقف الحياد المُعلن وباتت تُعرّف إيران بأنها “تهديد وجودي” وتحتفظ بحق الرد العسكري. هذا التحول — من الحياد إلى الموقف المعادي لإيران — هو بالضبط ما كانت تسعى إليه واشنطن وتل أبيب: دفع دول الخليج إلى الانحياز الكامل للمعسكر الأمريكي-الإسرائيلي.
كما وصفته مؤسسة كارنيغي: “الملكيات الخليجية عالقة بين يأس إيران وتهور أمريكا.” وهو وصف يلخّص بدقة الموقف المستحيل الذي وُضعت فيه هذه الدول — وربما كان هذا هو الهدف من البداية.
من يستفيد: حساب الأرباح والخسائر
المستفيدون
المجمع الصناعي العسكري الأمريكي: تكلفة العملية تتجاوز مليار دولار يومياً. البنتاغون يُعدّ طلب إنفاق طوارئ بقيمة 50 مليار دولار. شركات الدفاع تشهد أعلى مستويات الطلب منذ سنوات. صفقات أسلحة بقيمة 16 مليار دولار وُقّعت قبل الحرب بشهر واحد. هذه الأرقام تعني أن الحرب — بصرف النظر عن نتائجها السياسية — هي مشروع اقتصادي مربح لقطاع الدفاع الأمريكي.
إسرائيل: تسعى إلى هدف استراتيجي وجودي: القضاء على التهديد النووي الإيراني وإضعاف منظومة “محور المقاومة” بالكامل. تقارير الجزيرة أشارت إلى أن هدف إسرائيل الحقيقي من استمرار القصف أصبح واضحاً: تغيير النظام. إذا نجحت — وهو أمر غير مضمون — فستكون إسرائيل قد أزالت أقوى خصم إقليمي لها عسكرياً ونووياً، مع تحميل الولايات المتحدة ودول الخليج الجزء الأكبر من التكلفة المالية والبشرية.
التأثير الجيوسياسي: كل حرب أمريكية في الشرق الأوسط أزالت خصماً لإسرائيل — العراق عام 2003 (صدام حسين كان أكبر داعم مالي للانتفاضة الفلسطينية)، ليبيا عام 2011 (القذافي كان من أشد المنتقدين لإسرائيل)، وسوريا (إضعاف حليف إيران الأقرب). إيران هي آخر حلقة في هذه السلسلة — وأكبرها.
الخاسرون
الشعوب العربية والإيرانية: فُقد 3.2 تريليون دولار من الأسواق العالمية في 96 ساعة. دول خليجية تعرضت لهجمات لم تُعلن حرباً لأجلها. اقتصادات بُنيت على الاستقرار والانفتاح تواجه اضطرابات قد تستمر سنوات. ملايين المدنيين الإيرانيين يعيشون تحت القصف.
الاستقلالية السيادية: دول الخليج التي حاولت الحياد وجدت نفسها مُجبرة على اتخاذ مواقف لم تخترها. مصر عالقة في تبعية اقتصادية تحدّ من خياراتها السياسية. وكل توسع في اتفاقيات أبراهام يعني إدماجاً أعمق في منظومة أمنية يقودها طرفان — أمريكا وإسرائيل — ولا تُراعي بالضرورة مصالح الدول المنضمة إليها.
الاقتصاد الإقليمي: ارتفع خام برنت بنسبة 13% ليتجاوز 82 دولاراً. تضاعفت أسعار الغاز الأوروبي. تراجعت حركة الشحن في مضيق هرمز بأكثر من 80%. أقساط التأمين البحري عند أعلى مستوياتها في ست سنوات. كل هذه التكاليف تتحملها المنطقة والعالم — وليس الطرف الذي بدأ الحرب.
التاريخ لا يتكرر — لكنه يُقفّي
في عام 2003، قيل للعالم إن العراق يمتلك أسلحة دمار شامل. لم تُوجد. في 2011، قيل إن التدخل في ليبيا لحماية المدنيين. تحوّل إلى إسقاط نظام وفوضى لا تزال مستمرة. في 2026، قيل إن الحرب على إيران لمنع السلاح النووي. ثم تغير المبرر إلى تغيير النظام.
النتائج في كل حالة كانت متشابهة: الولايات المتحدة تُنفق ثم تُعوّض — من مبيعات الأسلحة وعقود إعادة الإعمار والنفوذ الجيوسياسي. إسرائيل تُزيل خصماً إقليمياً. والدول العربية تدفع الثمن: لاجئين، ودماراً اقتصادياً، وفقدان سيادة، واضطرابات أمنية مزمنة.
تقرير منظمة الجزيرة أشار إلى أن الولايات المتحدة قصفت ما لا يقل عن 10 دول منذ سبتمبر 2001 في عمليات تتراوح بين ضربات طائرات مسيّرة وغزوات كاملة. وفي كل حالة، وُعدت الشعوب بالديمقراطية والاستقرار — وحصلت على الفوضى. أفغانستان عادت إلى طالبان. العراق لا يزال يعاني من انقسام طائفي وفساد مستشرٍ. ليبيا تحكمها ميليشيات متناحرة.
السؤال الذي يطرحه كل مواطن عربي وشرق أوسطي في مارس 2026: هل ستكون إيران مختلفة؟ أم أنها حلقة أخرى في سلسلة من التدخلات التي تخدم مصالح واشنطن وتل أبيب وتترك المنطقة تتعامل مع العواقب؟
الاستراتيجية الكبرى: لماذا يحدث كل هذا الآن؟
عدة عوامل تقاطعت لتجعل 2026 لحظة التصعيد. إيران كانت في أضعف حالاتها: سنوات من العقوبات، واحتجاجات داخلية مزعزعة للاستقرار، وأضرار جسيمة خلال حرب الـ 12 يوماً مع إسرائيل في يونيو 2025، وتراجع حلفائها الإقليميين خلال الحرب على غزة. كما وصفه معهد الدراسات الاستراتيجية الدولية (IISS): “في ظل ضعف إيران، حسبت الولايات المتحدة وإسرائيل أن لديهما فرصة أكبر لتحقيق أهدافهما عسكرياً منها دبلوماسياً.”
في الوقت نفسه، كانت البنية التحتية للتحالف جاهزة: اتفاقيات أبراهام وفّرت إطار التطبيع. صفقات الأسلحة وفّرت العتاد. القواعد العسكرية في الخليج وفّرت اللوجستيات. التبعية الاقتصادية لمصر وفّرت الحياد القسري. كل قطعة في هذه الأحجية وُضعت في مكانها على مدى سنوات — والحرب هي النتيجة المنطقية.
التوسع في اتفاقيات أبراهام لتشمل كازاخستان يُظهر أن المشروع أكبر من إيران. الهدف هو بناء “شرق أوسط جديد” — كما سمّاه صنّاع السياسة الأمريكيون منذ عقود — تكون إسرائيل فيه القوة الإقليمية المهيمنة، ودول الخليج شريكاً اقتصادياً-أمنياً تابعاً، ومصر حارساً مطيعاً لقناة السويس، وإيران إما مُنهارة أو خاضعة.
وجهة النظر الأخرى: ماذا يقول المدافعون عن التدخل؟
من الإنصاف عرض الحجج التي يسوقها المؤيدون للتدخل العسكري. فريق واسع من صنّاع القرار والمحللين الغربيين يرى أن إيران كانت تمثل تهديداً حقيقياً: برنامج نووي متقدم يقترب من العتبة العسكرية، ومنظومة ميليشيات مسلحة في العراق ولبنان واليمن وسوريا، وقدرات صاروخية باليستية متطورة، ودعم مستمر لحركات تصنفها واشنطن وحلفاؤها “إرهابية”.
من هذا المنظور، كان التدخل استباقياً وضرورياً — وليس عدوانياً. وأن دول الخليج نفسها كانت تعتبر إيران تهديداً وجودياً وتسعى ضمنياً لإضعافها، حتى لو لم ترغب في تحمل تبعات الحرب المباشرة. كما يُشير المدافعون إلى أن صواريخ إيران التي ضربت دول الخليج تُثبت أنها كانت تمثل خطراً فعلياً على المنطقة.
لكن هذه الحجج لا تُجيب على السؤال الأساسي: لماذا يتكرر نفس النمط — ذات المبررات، ذات الأدوات، ذات المستفيدين — مع كل “تهديد” جديد في الشرق الأوسط؟ ولماذا تنتهي كل حرب بتعزيز النفوذ الأمريكي-الإسرائيلي وإضعاف المنطقة؟
المنظور الاقتصادي والاستثماري في مارس 2026
بعيداً عن التحليل الجيوسياسي، فإن الأرقام تروي قصتها الخاصة. صناعة الدفاع الأمريكية هي المستفيد الأكبر من كل جولة تصعيد في الشرق الأوسط. كل صاروخ باتريوت تشتريه السعودية بتسعة مليارات دولار يعود ريعه إلى شركة رايثيون. كل مروحية أباتشي تشتريها إسرائيل بأموال المساعدات الأمريكية تعود أرباحها إلى بوينغ.
وفقاً لتقديرات مركز التقدم الأمريكي، تجاوزت تكلفة “عملية الغضب الملحمي” 5 مليارات دولار حتى 2 مارس — والعملية في بدايتها. تقديرات الحرب التي تستمر شهرين تتراوح بين 40 و95 مليار دولار. هذه الأرقام ليست “خسائر” بالمعنى التقليدي — إنها إيرادات لقطاع الدفاع والأمن الأمريكي.
في المقابل، خسائر الشرق الأوسط حقيقية ومباشرة: ميناء جبل علي معطّل، مطار دبي ينزف مالياً، أسواق الأسهم الخليجية خسرت مليارات، صادرات النفط مقيّدة بإغلاق هرمز، والسياحة — التي تمثل ركيزة اقتصادية في الإمارات — تلقّت ضربة قد تستغرق سنوات للتعافي منها.
ما الذي ينتظر المنطقة؟
تحليل أتلانتيك كاونسل خلص إلى أن “الخليج الذي سيخرج من حرب إيران سيكون مختلفاً جذرياً.” هذا التقييم يحمل بُعدين: الأول أن العلاقات الإقليمية ستُعاد صياغتها بالكامل، والثاني أن مفهوم “الحياد” الذي حاولت دول الخليج التمسك به قد يصبح مستحيلاً في المنظومة الجديدة.
المتغيرات التي ستحدد مسار المنطقة في الأشهر المقبلة تشمل: نتيجة العمليات العسكرية في إيران ومدى تحقيق “تغيير النظام” المُعلن، واستجابة الصين وروسيا لإعادة رسم خريطة القوى في المنطقة، وقدرة دول الخليج على الحفاظ على مسار التنويع الاقتصادي في ظل عدم الاستقرار، ومدى استعداد الشعوب العربية لقبول “الشرق الأوسط الجديد” الذي يُرسم لها.
ما هو واضح أن الشرق الأوسط يقف أمام لحظة فارقة. والسؤال ليس ما إذا كانت المنطقة ستتغير — بل من يملك حق تقرير شكل هذا التغيير: شعوبها ودولها، أم قوى خارجية تسعى لتحقيق مصالحها الاستراتيجية والاقتصادية على حساب المنطقة وأهلها.
هذا المقال يعرض تحليلاً للأنماط التاريخية والوقائع الموثقة من مصادر متعددة. القارئ مدعو لتكوين استنتاجاته الخاصة.
